تفسير الميزان ج۷
101الدقيق لا يسوغ إرادة الذات من الوجه فإن الشيء أيا ما كان إنما يستقبل غيره بشيء من ظواهر نفسه من صفاته و أسمائه، و هي التي تتعلق بها المعرفة فإنا إنما نعرف ما نعرف بوصف من أوصافه أو اسم من أسمائه ثم نستدل بذلك على ذاته من غير أن نماس ذاته مساسا على الاستقامة.
فإنا إنما ننال معرفة الأشياء أولا بأدوات الحس التي لا تنال إلا الصفات من أشكال و تخاطيط و كيفيات و غير ذلك من دون أن ننال ذاتا جوهرية ثم نستدل بذلك على أن لها ذوات جوهرية هي القيمة لأعراضها و أوصافها التابعة لما أنها تحتاج إلى ما يقيم أودها و يحفظها ففي الحقيقة قولنا: ذات زيد مثلا معناه الشيء الذي نسبته إلى أوصاف زيد و خواصه كنسبتنا إلى أوصافنا و خواصنا فإدراك الذوات إدراكا فكريا يكون دائما بضرب من القياس و النسبة.
و إذا لم يمكن إدراك الذوات الماهوية بإدراك تام فكري إلا من طريق أوصافها و آثارها بضرب من القياس و النسبة فالأمر في الله سبحانه و لا حد لذاته و لا نهاية لوجوده أوضح و أبين، و لا يقع العلم على شيء إلا مع تحديد ما له فلا مطمع في الإحاطة العلمية به تعالى قال: {وَ عَنَتِ اَلْوُجُوهُ لِلْحَيِّ اَلْقَيُّومِ} (طه: ١١١) و قال: {وَ لاَ يُحِيطُونَ بِهِ عِلْماً} (طه: ١١٠).
لكن وجه الشيء لما كان ما يستقبل به غيره كانت الجهة بمعنى الناحية أعني ما ينتهي إليه الإشارة وجها فإنها بالنسبة إلى الشيء الذي يحد الإشارة كالوجه بالنسبة إلى الإنسان يستقبل غيره به، و بهذه العناية تصير الأعمال الصالحة وجها لله تعالى كما أن الأعمال الطالحة وجه للشيطان و هذا بعض ما يمكن أن ينطبق عليه أمثال قوله: {يُرِيدُونَ وَجْهَ اَللَّهِ} و قوله: {إِنَّمَا نُطْعِمُكُمْ لِوَجْهِ اَللَّهِ} و غير ذلك، و كذا الصفات التي يستقبل بها الله سبحانه خلقه كالرحمة و الخلق و الرزق و الهداية و نحوها من الصفات الفعلية بل الصفات الذاتية التي نعرفه تعالى بها نوعا من المعرفة كالحياة و العلم و القدرة كل ذلك وجهه تعالى يستقبل خلقه بها و يتوجه إليه من جهتها كما يشعر به بعض الأشعار أو الدلالة قوله تعالى: {وَ يَبْقى وَجْهُ رَبِّكَ ذُو اَلْجَلاَلِ وَ اَلْإِكْرَامِ} (الرحمن: ٢٧) فإن ظاهر الآية أن قوله: {ذُو اَلْجَلاَلِ وَ اَلْإِكْرَامِ} نعت للوجه دون الرب فافهم ذلك.

