تفسير الميزان ج۷
100عن قوم نوح فيما حكاه من محاجته (عليه السلام) حجاجا يشبه ما في هذه الآيات من الحجاج قال تعالى: {فَقَالَ اَلْمَلَأُ اَلَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ قَوْمِهِ مَا نَرَاكَ إِلاَّ بَشَراً مِثْلَنَا وَ مَا نَرَاكَ اِتَّبَعَكَ إِلاَّ اَلَّذِينَ هُمْ أَرَاذِلُنَا بَادِيَ اَلرَّأْيِ وَ مَا نَرى لَكُمْ عَلَيْنَا مِنْ فَضْلٍ بَلْ نَظُنُّكُمْ كَاذِبِينَ. قَالَ يَا قَوْمِ أَ رَأَيْتُمْ إِنْ كُنْتُ عَلى بَيِّنَةٍ مِنْ رَبِّي وَ آتَانِي رَحْمَةً مِنْ عِنْدِهِ فَعُمِّيَتْ عَلَيْكُمْ أَ نُلْزِمُكُمُوهَا وَ أَنْتُمْ لَهَا كَارِهُونَ} -إلى أن قال- {وَ مَا أَنَا بِطَارِدِ اَلَّذِينَ آمَنُوا إِنَّهُمْ مُلاَقُوا رَبِّهِمْ} -إلى أن قال- {وَ لاَ أَقُولُ لَكُمْ عِنْدِي خَزَائِنُ اَللَّهِ وَ لاَ أَعْلَمُ اَلْغَيْبَ وَ لاَ أَقُولُ إِنِّي مَلَكٌ وَ لاَ أَقُولُ لِلَّذِينَ تَزْدَرِي أَعْيُنُكُمْ لَنْ يُؤْتِيَهُمُ اَللَّهُ خَيْراً اَللَّهُ أَعْلَمُ بِمَا فِي أَنْفُسِهِمْ إِنِّي إِذاً لَمِنَ اَلظَّالِمِينَ} (هود - ٣١).
و التطبيق بين هذه الآيات و الآيات التي نحن فيها يقضي أن يكون المراد بالذين يدعون ربهم بالغداة و العشي و يريدون وجهه هم المؤمنين، و إنما ذكر دعاءهم بالغداة و العشي و هو صلاتهم أو مطلق دعائهم ربهم للدلالة على ارتباطهم بربهم بما لا يداخله غيره تعالى و ليوضح ما سيذكره من قوله: {أَ لَيْسَ اَللَّهُ بِأَعْلَمَ بِالشَّاكِرِينَ}.
و قوله: {يُرِيدُونَ وَجْهَهُ} أي وجه الله، قال الراغب في مفرداته: أصل الوجه الجارحة قال: {فَاغْسِلُوا وُجُوهَكُمْ وَ أَيْدِيَكُمْ}، {وَ تَغْشى وُجُوهَهُمُ اَلنَّارُ}، و لما كان الوجه أول ما يستقبلك و أشرف ما في ظاهر البدن استعمل في مستقبل كل شيء و في أشرفه و مبدئه فقيل: وجه كذا و وجه النهار، و ربما عبر عن الذات بالوجه في قول الله: {وَ يَبْقى وَجْهُ رَبِّكَ ذُو اَلْجَلاَلِ وَ اَلْإِكْرَامِ}، قيل: ذاته و قيل أراد بالوجه هاهنا التوجه إلى الله بالأعمال الصالحة.
و قال: {فَأَيْنَمَا تُوَلُّوا فَثَمَّ وَجْهُ اَللَّهِ}، {كُلُّ شَيْءٍ هَالِكٌ إِلاَّ وَجْهَهُ}، {يُرِيدُونَ وَجْهَ اَللَّهِ}، {إِنَّمَا نُطْعِمُكُمْ لِوَجْهِ اَللَّهِ}، قيل: إن الوجه في كل هذا ذاته و يعني بذلك كل شيء هالك إلا هو و كذا في أخواته، و روي أنه قيل ذلك لأبي عبد الله بن الرضا فقال: سبحان الله لقد قالوا قولا عظيما إنما عنى الوجه الذي يؤتى منه و معناه: كل شيء من أعمال العباد هالك و باطل إلا ما أريد به الله، و على هذا الآيات الأخر، و على هذا قوله: {يُرِيدُونَ وَجْهَهُ}، {يُرِيدُونَ وَجْهَ اَللَّهِ}، انتهى.
أقول: أما الانتقال الاستعمالي من الوجه بمعنى الجارحة إلى مطلق ما يستقبل به الشيء غيره توسعا فلا ريب فيه على ما هو المعهود من تطور الألفاظ في معانيها لكن النظر

