تفسير الميزان ج٦
92باب الأعداد أ ما ترى أنه كفر من قال: إنه ثالث ثلاثة؟ و قول القائل: هو واحد من الناس يريد به النوع من الجنس فهذا ما لا يجوز لأنه تشبيه، و جل ربنا و تعالى عن ذلك.
و أما الوجهان اللذان يثبتان فيه فقول القائل: هو واحد ليس له في الأشياء شبه، كذلك ربنا، و قول القائل: إنه عز و جل أحدي المعنى يعني به أنه لا ينقسم في وجود و لا عقل و لا وهم، كذلك ربنا عز و جل.
أقول: و رواه أيضا في المعاني، بسند آخر عن أبي المقدام بن شريح بن هاني عن أبيه عنه (عليه السلام).
و في النهج: أول الدين معرفته، و كمال معرفته التصديق به، و كمال التصديق به توحيده، و كمال توحيده الإخلاص له، و كمال الإخلاص له نفي الصفات عنه لشهادة كل صفة أنها غير الموصوف، و شهادة كل موصوف أنه غير الصفة، فمن وصف الله فقد قرنه، و من قرنه فقد ثناه، و من ثناه فقد جزأه، و من جزأه فقد جهله، و من جهله فقد أشار إليه، و من أشار إليه فقد حده، و من حده فقد عده (الخطبة).
أقول: و هو من أبدع البيان، و محصل الشطر الأول من الكلام أن معرفته تنتهي في استكمالها إلى نفي الصفات عنه، و محصل الشطر الثاني المتفرع على الشطر الأول أعني قوله (عليه السلام): فمن وصف الله فقد قرنه (إلخ) أن إثبات الصفات يستلزم إثبات الوحدة العددية المتوقفة على التحديد غير الجائز عليه تعالى، و تنتج المقدمتان أن كمال معرفته تعالى يستوجب نفي الوحدة العددية منه، و إثبات الوحدة بمعنى آخر، و هو مراده (عليه السلام) من سرد الكلام.
أما مسألة نفي الصفات عنه فقد بينه (عليه السلام): «بقوله أول الدين معرفته» لظهور أن من لم يعرف الله سبحانه و لو بوجه لم يحل بعد في ساحة الدين، و المعرفة ربما كانت مع عمل بما يرتبط به من الأفعال و ترتب آثار المعروف، و ربما كانت من غير عمل، و من المعلوم أن العلم فيما يتعلق نوع تعلق بالأعمال إنما يثبت و يستقر في النفس إذا ترتب عليه آثاره العملية، و إلا فلا يزال العلم يضعف بإتيان الأعمال المخالفة حتى يبطل أو يصير سدى لا أثر له، و من كلامه (عليه السلام) في هذا الباب و قد رواه في النهج: «العلم مقرون بالعمل فمن علم عمل، و العلم يهتف بالعمل فإن أجابه و إلا ارتحل عنه.

