تفسير الميزان ج٦
90أي موجودا محدودا منعزل الذات عن الإحاطة بغيره من الموجودات صح للعقل أن يفرض مثله الثاني له سواء كان جائز التحقق في الخارج أو غير جائز التحقق، و صح عند العقل أن يتصف بالكثرة بالنظر إلى نفسه و إن فرض امتناعه في الواقع، و ليس كذلك.
فهو تعالى واحد بمعنى أنه من الوجود بحيث لا يحد بحد حتى يمكن فرض ثان له فيما وراء ذلك الحد و هذا معنى قوله تعالى: {قُلْ هُوَ اَللَّهُ أَحَدٌ اَللَّهُ اَلصَّمَدُ لَمْ يَلِدْ وَ لَمْ يُولَدْ وَ لَمْ يَكُنْ لَهُ كُفُواً أَحَدٌ}: سورة التوحيد - ٤ فإن لفظ أحد إنما يستعمل استعمالا يدفع إمكان فرض العدد في قباله يقال: «ما جاءني أحد» و ينفي به أن يكون قد جاء الواحد و كذا الاثنان و الأكثر و قال تعالى: {وَ إِنْ أَحَدٌ مِنَ اَلْمُشْرِكِينَ اِسْتَجَارَكَ}: التوبة: ٦ فشمل الواحد و الاثنين و الجماعة و لم يخرج عن حكمه عدد، و قال تعالى: {أَوْ جَاءَ أَحَدٌ مِنْكُمْ مِنَ اَلْغَائِطِ} فشمل الواحد و ما وراءه، و لم يشذ منه شاذ.
فاستعمال لفظ أحد في قوله: {هُوَ اَللَّهُ أَحَدٌ} في الإثبات من غير نفي و لا تقييد بإضافة أو وصف يفيد أن هويته تعالى بحيث يدفع فرض من يماثله في هويته بوجه سواء كان واحدا أو كثيرا فهو محال بحسب الفرض الصحيح مع قطع النظر عن حاله بحسب الخارج.
و لذلك وصفه تعالى أولا بأنه صمد، و هو المصمت الذي لا جوف له و لا مكان خاليا فيه، و ثانيا بأنه لم يلد، و ثالثا بأنه لم يولد، و رابعا بأنه لم يكن له كفوا أحد، و كل هذه الأوصاف مما يستلزم نوعا من المحدودية و الانعزال.
و هذا هو السر في عدم وقوع توصيفات غيره تعالى عليه حق الوقوع و الاتصاف قال تعالى: {سُبْحَانَ اَللَّهِ عَمَّا يَصِفُونَ َإِلاَّ عِبَادَ اَللَّهِ اَلْمُخْلَصِينَ}: الصافات: ١٦٠، و قال تعالى: {وَ لاَ يُحِيطُونَ بِهِ عِلْماً}: طه: ١١٠، فإن المعاني الكمالية التي نصفه تعالى بها أوصاف محدودة، و جلت ساحته سبحانه عن الحد و القيد،و هو الذي يرومه النبي (صلى الله عليه وآله و سلم) في كلمته المشهورة: لا أحصي ثناء عليك أنت كما أثنيت على نفسك».
و هذا المعنى من الوحدة هو الذي يدفع به تثليث النصارى فإنهم موحدون في عين التثليث لكن الذي يذعنون به من الوحدة وحدة عددية لا تنفي الكثرة من جهة أخرى فهم يقولون: إن الأقانيم (الأب و الابن و الروح) (الذات و العلم و الحياة) ثلاثة و هي واحدة كالإنسان الحي العالم فهو شيء واحد لأنه إنسان حي عالم و هو ثلاثة لأنه إنسان و حياة و علم.

