تفسير الميزان ج٦
9فقد كان المنافقون يسارعون إلى ولاية أهل الكتاب و يؤكدونها، فنهى الله عن ذلك و ذكر أن أولياءهم إنما هم الله و رسوله و المؤمنون حقا دون أهل الكتاب و المنافقين. و لا يبقى إلا مخالفة هذا المعنى لظاهر قوله: {وَ هُمْ رَاكِعُون} و يندفع بحمل الركوع على معناه المجازي، و هو الخضوع لله أو الفقر و رثاثة الحال، هذا ما استشكلوه.
لكن التدبر في الآية و ما يناظرها من الآيات يوجب سقوط الوجوه المذكورة جميعا:
أما وقوع الآية في سياق ولاية النصرة، و لزوم حملها على إرادة ذلك فقد عرفت أن الآيات غير مسوقة لهذا الغرض أصلا، و لو فرض سرد الآيات السابقة على هذه الآية لبيان أمر ولاية النصرة لم تشاركها الآية في هذا الغرض.
و أما حديث لزوم إطلاق الجمع و إرادة الواحد في قوله: {وَ اَلَّذِينَ آمَنُوا} «إلخ»، فقد عرفت في الكلام على آية المباهلة في الجزء الثالث من هذا الكتاب تفصيل الجواب عنه، و أنه فرق بين إطلاق لفظ الجمع و إرادة الواحد و استعماله فيه، و بين إعطاء حكم كلي أو الإخبار بمعرف جمعي في لفظ الجمع لينطبق على من يصح أن ينطبق عليه، ثم لا يكون المصداق الذي يصح أن ينطبق عليه إلا واحدا فردا و اللغة تأبى عن قبول الأول دون الثاني على شيوعه في الاستعمالات.
و ليت شعري ما ذا يقولون في مثل قوله تعالى: {يَا أَيُّهَا اَلَّذِينَ آمَنُوا لاَ تَتَّخِذُوا عَدُوِّي وَ عَدُوَّكُمْ أَوْلِيَاءَ تُلْقُونَ إِلَيْهِمْ بِالْمَوَدَّةِ} إلى أن قال: {تُسِرُّونَ إِلَيْهِمْ بِالْمَوَدَّةِ} (الآية): الممتحنة: ١، و قد صح أن المراد به حاطب بن أبي بلتعة في مكاتبته قريشا؟ و قوله تعالى: {يَقُولُونَ لَئِنْ رَجَعْنَا إِلَى اَلْمَدِينَةِ لَيُخْرِجَنَّ اَلْأَعَزُّ مِنْهَا اَلْأَذَلّ} المنافقون: ٨، و قد صح أن القائل به عبد الله بن أبي بن سلول؟ و قوله تعالى: {يَسْئَلُونَكَ مَا ذَا يُنْفِقُون}: البقرة: ٢١٥ و السائل عنه واحد؟، و قوله تعالى: {اَلَّذِينَ يُنْفِقُونَ أَمْوَالَهُمْ بِاللَّيْلِ وَ اَلنَّهَارِ سِرًّا وَ عَلاَنِيَةً}: البقرة: ٢٧٤ و قد ورد أن المنفق كان عليا أو أبا بكر؟ إلى غير ذلك من الموارد الكثيرة.
و أعجب من الجميع قوله تعالى: {يَقُولُونَ نَخْشى أَنْ تُصِيبَنَا دَائِرَة} و القائل هو عبد الله بن أبي، على ما رووا في سبب نزوله و تلقوه بالقبول، و الآية واقعة بين الآيات المبحوث عنها نفسها.

