تفسير الميزان ج٦
88المؤمن: ٦٥ و غير ذلك من الآيات الداعية إلى رفض الآلهة الكثيرة، و توجيه الوجه لله الواحد، و قوله تعالى: {وَ إِلَهُنَا وَ إِلَهُكُمْ وَاحِدٌ}: العنكبوت: ٤٦ و غيره من الآيات الداعية إلى رفض التفرق في العبادة للإله، حيث كانت كل أمة أو طائفة أو قبيلة تتخذ إلها تختص به، و لا تخضع لإله الآخرين.
و القرآن ينفي في عالي تعليمه الوحدة العددية عن الإله جل ذكره، فإن هذه الوحدة لا تتم إلا بتميز هذا الواحد من ذلك الواحد بالمحدودية التي تقهره، و المقدرية التي تغلبه، مثال ذلك ماء الحوض إذا فرقناه في آنية كثيرة كان ماء كل إناء ماء واحدا غير الماء الواحد الذي في الإناء الآخر، و إنما صار ماء واحدا يتميز عما في الآخر لكون ما في الآخر مسلوبا عنه غير مجتمع معه، و كذلك هذا الإنسان إنما صار إنسانا واحدا لأنه مسلوب عنه ما للإنسان الآخر، و لو لا ذلك لم يأت للإنسانية الصادقة على هذا و ذاك أن تكون واحدة بالعدد و لا كثيرة بالعدد.
فمحمودية الوجود هي التي تقهر الواحد العددي على أن يكون واحدا ثم بانسلاب هذه الوحدة من بعض الجهات تتألف كثرة عددية كما عنده عروض صفة الاجتماع بوجه.
و إذ كان الله سبحانه قاهرا غير مقهور، و غالبا لا يغلبه شيء البتة كما يعطيه التعليم القرآني لم تتصور في حقه وحدة عددية و لا كثرة عددية، قال تعالى: {وَ هُوَ اَلْوَاحِدُ اَلْقَهَّارُ}: الرعد: ١٦، و قال: {أَ أَرْبَابٌ مُتَفَرِّقُونَ خَيْرٌ أَمِ اَللَّهُ اَلْوَاحِدُ اَلْقَهَّارُ َمَا تَعْبُدُونَ مِنْ دُونِهِ إِلاَّ أَسْمَاءً سَمَّيْتُمُوهَا أَنْتُمْ وَ آبَاؤُكُمْ}: يوسف: ٤٠، و قال: {وَ مَا مِنْ إِلَهٍ إِلاَّ اَللَّهُ اَلْوَاحِدُ اَلْقَهَّارُ}: _ ص: ٦٥، و قال: {لَوْ أَرَادَ اَللَّهُ أَنْ يَتَّخِذَ وَلَداً لاَصْطَفىَ مِمَّا يَخْلُقُ مَا يَشَاءُ سُبْحَانَهُ هُوَ اَللَّهُ اَلْوَاحِدُ اَلْقَهَّارُ}: الزمر: ٤.
و الآيات بسياقها كما ترى تنفي كل وحدة مضافة إلى كثرة مقابلة لها سواء كانت وحدة عددية كالفرد الواحد من النوع الذي لو فرض بإزائه فرد آخر كانا اثنين فإن هذا الفرد مقهور بالحد الذي يحده به الفرد الآخر المسلوب عنه المفروض قباله، أو كانت وحدة نوعية أو جنسية أو أي وحدة كلية مضافة إلى كثرة من سنخها كالإنسان الذي هو نوع واحد مضاف إلى الأنواع الكثيرة الحاصلة منه و من الفرس و البقر و الغنم و غيرها فإنه مقهور بالحد الذي يحده به ما يناظره من الأنواع الآخر، و إذ كان

