تفسير الميزان ج٦
86إلى باب النجاشي فقالوا: استأذن لأولياء الله فقال: ائذن لهم فمرحبا بأولياء الله فلما دخلوا عليه سلموا، فقال الرهط من المشركين: أ لم تر أيها الملك أنا صدقناك، و أنهم لم يحيوك بتحيتك التي تحيا بها؟ فقال لهم: ما يمنعكم أن تحيوني بتحيتي؟ قالوا: إنا حييناك بتحية أهل الجنة و تحية الملائكة.
فقال لهم: ما يقول صاحبكم في عيسى و أمه؟ قالوا: يقول: عبد الله و رسوله و كلمة من الله و روح منه ألقاها إلى مريم، و يقول في مريم: أنها العذراء الطيبة البتول؛ قال: فأخذ عودا من الأرض فقال: ما زاد عيسى و أمه على ما قال صاحبكم هذا العود، فكره المشركون قوله و تغير له وجوههم.
فقال: هل تقرءون شيئا مما أنزل عليكم؟ قالوا: نعم، قال: فاقرءوا فقرءوا و حوله القسيسون و الرهبان و سائر النصارى فجعلت طائفة من القسيسين و الرهبان كلما قرءوا آية انحدرت دموعهم مما عرفوا من الحق - قال الله: {ذَلِكَ بِأَنَّ مِنْهُمْ قِسِّيسِينَ وَ رُهْبَاناً وَ أَنَّهُمْ لاَ يَسْتَكْبِرُونَ وَ إِذَا سَمِعُوا مَا أُنْزِلَ إِلَى اَلرَّسُولِ تَرى أَعْيُنَهُمْ تَفِيضُ مِنَ اَلدَّمْعِ مِمَّا عَرَفُوا مِنَ اَلْحَقِّ}.
أقول: و روى القمي في تفسيره: القصة مفصلة في خبر طويل، و في آخره: و رجعوا إلى النجاشي فأخبروه خبر رسول الله (صلى الله عليه وآله و سلم) و قرءوا عليه ما قرأ عليهم فبكى النجاشي و بكى القسيسون، و أسلم النجاشي و لم يظهر للحبشة إسلامه، و خافهم على نفسه فخرج من بلاد الحبشة إلى النبي (صلى الله عليه وآله و سلم) فلما عبر البحر توفي، الحديث .
(كلام في معنى التوحيد في القرآن)
لا يرتاب الباحث المتعمق في المعارف الكلية أن مسألة التوحيد من أبعدها غورا، و أصعبها تصورا و إدراكا، و أعضلها حلا لارتفاع كعبها عن المسائل العامة العامية التي تتناولها الأفهام، و القضايا المتداولة التي تألفها النفوس، و تعرفها القلوب.
و ما هذا شأنه تختلف العقول في إدراكه و التصديق به للتنوع الفكري الذي فطر عليه الإنسان من اختلاف أفراده من جهة البنية الجسمية و أداء ذلك إلى اختلاف أعضاء الإدراك في أعمالها ثم تأثير ذلك الفهم و التعقل من حيث الحدة و البلادة،

