تفسير الميزان ج٦
80اليهود كعبد الله بن سلام و أصحابه، و إسلام عدة من مشركي العرب و هم عامة المسلمين اليوم فتخصيص النصارى بمثل قوله: {وَ إِذَا سَمِعُوا مَا أُنْزِلَ} «إلخ»، دون اليهود و المشركين يدل على حسن إقبالهم على الدعوة الإسلامية و إجابة النبي (صلى الله عليه وآله و سلم) مع أنهم على خيار بين أن يقيموا على دينهم و يؤدوا الجزية، و بين أن يقبلوا الإسلام، أو يحاربوا.
و هذا بخلاف المشركين فإنهم لم يكن يقبل منهم إلا قبول الدعوة فكثرة المؤمنين منهم لا يدل على حسن الإجابة، على ما كابد النبي (صلى الله عليه وآله و سلم) من جفوتهم و لقاه المسلمون من أيديهم بقسوتهم و نخوتهم.
و كذلك اليهود و إن كانوا كالنصارى في إمكان إقامتهم على دينهم و تأدية الجزية إلى المسلمين لكنهم تمادوا في نخوتهم، و تصلبوا في عصبيتهم، و أخذوا بالمكر و المكيدة، و نقضوا عهودهم، و تربصوا الدوائر على المسلمين، و مسوهم بأمر المس و آلمه.
و هذا الذي جرى من أمر النصارى مع النبي (صلى الله عليه وآله و سلم) و الدعوة الإسلامية، و حسن إجابتهم، و كذا من أمر اليهود و المشركين في التمادي على الاستكبار و العصبية جرى بعينه بعده (صلى الله عليه وآله و سلم) على حذو ما جرى في عهده فما أكثر من لبى الدعوة الإسلامية من فرق النصارى خلال القرون الماضية، و ما أقل ذلك من اليهود و الوثنيين! فاحتفاظ هذه الخصيصة في هؤلاء و هؤلاء يصدق الكتاب العزيز في ما أفاده.
و من المعلوم أن قوله تعالى: {لَتَجِدَنَّ أَشَدَّ اَلنَّاسِ عَدَاوَةً لِلَّذِينَ آمَنُوا} من قبيل بيان الضابط العام في صورة خطاب خاص نظير ما مر في الآيات السابقة: {تَرىَ كَثِيراً مِنْهُمْ يَتَوَلَّوْنَ اَلَّذِينَ كَفَرُوا} و {تَرىَ كَثِيراً مِنْهُمْ يُسَارِعُونَ فِي اَلْإِثْمِ}.
قوله تعالى: {ذَلِكَ بِأَنَّ مِنْهُمْ قِسِّيسِينَ وَ رُهْبَاناً وَ أَنَّهُمْ لاَ يَسْتَكْبِرُونَ} القسيس معرب «كشيش» و الرهبان جمع الراهب و قد يكون مفردا، قال الراغب: الرهبة و الرهب مخافة مع تحرز إلى أن قال و الترهب التعبد، و الرهبانية غلو في تحمل التعبد من فرط الرهبة، قال تعالى: {وَ رَهْبَانِيَّةً اِبْتَدَعُوهَا} و الرهبان يكون واحدا و جمعا فمن جعله واحدا جمعه على رهابين، انتهى.
علل تعالى ما ذكره من كون النصارى أقرب مودة و آنس قلوبا للذين آمنوا بخصال ثلاث يفقدها غيرهم من اليهود و المشركين، و هي أن فيهم علماء و أن فيهم رهبانا
و زهادا، و أنهم لا يستكبرون و ذلك مفتاح تهيؤهم للسعادة.

