تفسير الميزان ج٦
78سَوَاءِ اَلسَّبِيلِ} ظاهر السياق أن المراد بهؤلاء القوم الذين نهوا عن اتباع أهوائهم هم المتبوعون المطاعون في آرائهم و أوامرهم فيكون ضلالهم لمكان التزامهم بآرائهم؛ إضلالهم كثيرا هو اتباع غيرهم لهم، و ضلالهم عن سواء السبيل هو المتحصل لهم من ضلالهم و إضلالهم، و هو ضلال على ضلال.
و كذلك ظاهر السياق أن المراد بهم هم الوثنية و عبدة الأصنام فإن ظاهر السياق أن الخطاب إنما هو لجميع أهل الكتاب لا للمعاصرين منهم للنبي ص حتى يكون نهيا لمتأخريهم عن اتباع متقدميهم.
و يؤيده بل يدل عليه قوله تعالى: {وَ قَالَتِ اَلْيَهُودُ عُزَيْرٌ اِبْنُ اَللَّهِ وَ قَالَتِ اَلنَّصَارى اَلْمَسِيحُ اِبْنُ اَللَّهِ ذَلِكَ قَوْلُهُمْ بِأَفْوَاهِهِمْ يُضَاهِؤُنَ قَوْلَ اَلَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ قَبْلُ}: التوبة: ٣٠.
فيكون ذلك حقيقة تحليلية تاريخية أشار إليها القرآن الكريم هي أن القول بالأبوة و البنوة مما تسرب إلى أهل الكتاب من قبل من تقدمهم من الوثنية، و قد تقدم في الكلام على قصص المسيح (عليه السلام) في سورة آل عمران في الجزء الثالث من الكتاب أن هذا القول في جملة من الأقوال و الآراء موجود عند الوثنية البرهمنية و البوذية في الهند و الصين، و كذلك مصر القديم و غيرهم، و إنما أخذ بالتسرب في الملة الكتابية بيد دعاتها، فظهر في زي الدين و كان الاسم لدين التوحيد و المسمى للوثنية.
قوله تعالى: {لُعِنَ اَلَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ بَنِي إِسْرَائِيلَ عَلى لِسَانِ دَاوُدَ وَ عِيسَى اِبْنِ مَرْيَمَ} إلى آخر الآيتين إخبار بأن الكافرين منهم ملعونون بلسان أنبيائهم، و فيه تعريض لهؤلاء الذين كفرهم الله في هذه الآيات من اليهود ملعونين بدعوة أنبيائهم أنفسهم، و ذلك بسبب عصيانهم لأنبيائهم، و هم كانوا مستمرين على الاعتداء و قوله: {كَانُوا لاَ يَتَنَاهَوْنَ عَنْ مُنكَرٍ فَعَلُوهُ} «إلخ» بيان لقوله: {وَ كَانُوا يَعْتَدُونَ}.
قوله تعالى: {تَرى كَثِيراً مِنْهُمْ يَتَوَلَّوْنَ اَلَّذِينَ كَفَرُوا} «إلخ»، و هذا من قبيل الاستشهاد بالحس على كونهم معتدين فإنهم لو قدروا دينهم حق قدره لزموه و لم يعتدوه، و لازم ذلك أن يتولوا أهل التوحيد و يتبرءوا من الذين كفروا لأن أعداء ما يقدسه قوم أعداء لذلك القوم، فإذا تحابوا و توالوا دل ذلك على إعراض ذلك القوم و تركهم ما

