تفسير الميزان ج٦
74و كيف كان فالآية على هذا التقدير تنفي عن المسيح و أمه معا الألوهية بأن المسيح كان رسولا كسائر الرسل، و أمه كانت صديقة، و هما معا كانا يأكلان الطعام، و ذلك كله ينافي الألوهية.
و في قوله تعالى: {قَدْ خَلَتْ مِنْ قَبْلِهِ اَلرُّسُلُ} حيث وصف الرسل بالخلو من قبله، و هو الموت تأكيد للحجة بكونه بشرا يجوز عليه الموت و الحياة كما جاز على الرسل من قبله.
قوله تعالى: {اُنْظُرْ كَيْفَ نُبَيِّنُ لَهُمُ اَلْآيَاتِ ثُمَّ اُنْظُرْ أَنَّى يُؤْفَكُونَ} الخطاب للنبي، (صلى الله عليه وآله و سلم) و هو في مقام التعجيب أي تعجب من كيفية بياننا لهم الآيات، و هو أوضح بيان لأظهر آية في بطلان دعواهم ألوهية المسيح، و كيفية صرفهم عن تعقل هذه الآيات؛ فإلى أي غاية يصرفون عنها، و لا تلتفت إلى نتيجتها و هي بطلان دعواهم عقولهم؟
قوله تعالى: {قُلْ أَ تَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اَللَّهِ مَا لاَ يَمْلِكُ لَكُمْ ضَرًّا وَ لاَ نَفْعاً وَ اَللَّهُ هُوَ اَلسَّمِيعُ اَلْعَلِيمُ} كان الخضوع لأمر الربوبية إنما انتشر بين البشر في أقدم عهوده، و خاصة بين العامة منهم و عامتهم كانوا يعبدون الأصنام طمعا في أن يدفع الرب عنهم الشر و يوصل إليهم النفع كما يتحصل من الأبحاث التاريخية، و أما عبادة الله لأنه الله عز اسمه فلم يكن يعدو الخواص منهم كالأنبياء و الربانيين من أممهم.
فأمر الله سبحانه رسوله أن يخاطبهم خطاب البشر الساذج الجاري على ما تلهمه فطرته الساذجة في عبادة الله كما خاطب الوثنيين و عباد الأصنام بذلك فيذكرهم أن الذي يضطر الإنسان بعبادة الرب هو أنه يرى أزمة الخير و الشر و النفع و الضر بيده فيعبده لأنه يملك الضر و النفع طمعا في أن يدفع عنه الضر و يوصل إليه الخير لعبادته له.
و كل ما هو دون الله تعالى لا يملك شيئا من ضر و لا نفع لأنه مملوك لله محضا مسلوب عنه القدرة في نفسه فكيف يسوغ تخصيصه بالعبادة، و إشراكه مع ربه الذي هو المالك له و لغيره، و قد كان من الواجب أن يخص هو تعالى بالعبادة، و لا يتعدى عنه إلى غيره لأنه هو الذي يختص به السمع و الإجابة فيسمع و يجيب المضطر إذ دعاه، و هو الذي يعلم حوائج عباده و لا يغفل عنها و لا يغلط فيها بخلاف غيره تعالى فإنه إنما

