تفسير الميزان ج٦
73و هذا وجه لا بأس به لو لا أن الآية مصدرة بقوله: {لَقَدْ كَفَرَ اَلَّذِينَ قَالُوا إِنَّ اَللَّهَ ثَالِثُ ثَلاَثَةٍ} و نظيره في البعد قول بعض آخر: إن «من» في قوله {مِنْهُمْ} بيانية فإنه قول من غير دليل.
قوله تعالى: {أَ فَلاَ يَتُوبُونَ إِلَى اَللَّهِ وَ يَسْتَغْفِرُونَهُ وَ اَللَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ} تحضيض على التوبة و الاستغفار، و تذكير بمغفرة الله و رحمته، أو إنكار أو توبيخ.
قوله تعالى: {مَا اَلْمَسِيحُ اِبْنُ مَرْيَمَ إِلاَّ رَسُولٌ قَدْ خَلَتْ مِنْ قَبْلِهِ اَلرُّسُلُ وَ أُمُّهُ صِدِّيقَةٌ كَانَا يَأْكُلاَنِ اَلطَّعَامَ} رد لقولهم: {إِنَّ اَللَّهَ ثَالِثُ ثَلاَثَةٍ} أو لقولهم هذا و قولهم المحكي في الآية السابقة: {إِنَّ اَللَّهَ هُوَ اَلْمَسِيحُ اِبْنُ مَرْيَمَ} جميعا، و محصله اشتمال المسيح على جوهرة الألوهية، بأن المسيح لا يفارق سائر رسل الله الذين توفاهم الله من قبله كانوا بشرا مرسلين من غير أن يكونوا أربابا من دون الله سبحانه، و كذلك أمه مريم كانت صديقة تصدق بآيات الله تعالى و هي بشر، و قد كان هو و أمه جميعا يأكلان الطعام، و أكل الطعام مع ما يتعقبه مبني على أساس الحاجة التي هو أول أمارة من أمارات الإمكان و المصنوعية فقد كان المسيح (عليه السلام) ممكنا متولدا من ممكن، و عبدا و رسولا مخلوقا من أمه كانا يعبدان الله، و يجريان في سبيل الحاجة و الافتقار من دون أن يكون ربا.
و ما بيد القوم من كتب الإنجيل معترفة بذلك تصرح بكون مريم فتاة كانت تؤمن بالله و تعبده، و تصرح بأن عيسى تولد منها كالإنسان من الإنسان، و تصرح بأن عيسى كان رسولا من الله إلى الناس كسائر الرسل و تصرح بأن عيسى و أمه مريم كانا يأكلان الطعام.
فهذه أمور صرحت بها الأناجيل، و هي حجج على كونه (عليه السلام) عبدا رسولا.
و يمكن أن تكون الآية مسوقة لنفي ألوهية المسيح و أمه كليهما على ما يظهر من قوله تعالى: {أَ أَنْتَ قُلْتَ لِلنَّاسِ اِتَّخِذُونِي وَ أُمِّي إِلَهَيْنِ مِنْ دُونِ اَللَّهِ}: المائدة: ١١٦ أنه كان هناك من يقول بألوهيتها كالمسيح أو أن المراد به اتخاذها إلها كما ينسب إلى أهل الكتاب أنهم اتخذوا أحبارهم و رهبانهم أربابا من دون الله، و ذلك بالخضوع لها و لهم بما لا يخضع لبشر بمثله.

