تفسير الميزان ج٦
72تهديد لهم بالعذاب الأليم الأخروي الذي هو ظاهر الآية الكريمة.
و لما كان القول بالتثليث الذي تتضمنه كلمة: {إِنَّ اَللَّهَ ثَالِثُ ثَلاَثَةٍ} ليس في وسع عقول عامة الناس أن تتعقله فأغلب النصارى يتلقونه قولا مذهبيا مسلما بلفظة من غير أن يعقلوا معناه، و لا أن يطمعوا في تعقله كما ليس في وسع العقل السليم أن يعقله عقلا صحيحا، و إنما يتعقل كتعقل الفروض المحالة كالإنسان اللاإنسان، و العدد الذي ليس بواحد و لا كثير و لا زوج و لا فرد فلذلك تتسلمه العامة تسلما من غير بحث عن معناه، و إنما يعتقدون في البنوة و الأبوة شبه معنى التشريف فهؤلاء في الحقيقة ليسوا من أهل التثليث، و إنما يمضغون الكلمة مضغا، و ينتمون إليها انتماء بخلاف غير العامة منهم و هم الذين ينسب الله سبحانه إليهم اختلاف المذاهب و يقرر أن ذلك ببغيهم كما قال تعالى: {أَنْ أَقِيمُوا اَلدِّينَ وَ لاَ تَتَفَرَّقُوا فِيهِ} إلى أن قال: {وَ مَا تَفَرَّقُوا إِلاَّ مِنْ بَعْدِ مَا جَاءَهُمُ اَلْعِلْمُ بَغْياً بَيْنَهُمْ}: الشورى: ١٤.
فالكفر الحقيقي الذي لا ينتهي إلى استضعاف و هو الذي فيه إنكار التوحيد و التكذيب بآيات الله إنما يتم في بعضهم دون كلهم، و إنما أوعد الله بالنار الخالد الذين كفروا و كذبوا بآيات الله، قال: {وَ اَلَّذِينَ كَفَرُوا وَ كَذَّبُوا بِآيَاتِنَا أُولَئِكَ أَصْحَابُ اَلنَّارِ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ}: البقرة: ٣٩ إلى غير ذلك من الآيات، و قد مر الكلام في ذلك في تفسير قوله تعالى: {إِلاَّ اَلْمُسْتَضْعَفِينَ} (الآية): النساء: ٩٨.
و لعل هذا هو السر في التبعيض الظاهر من قوله: {لَيَمَسَّنَّ اَلَّذِينَ كَفَرُوا مِنْهُمْ} أو أن المراد به الإشارة إلى أن من النصارى من لا يقول بالتثليث، و لا يعتقد في المسيح إلا أنه عبد الله و رسوله، كما كانت على ذلك مسيحيو الحبشة و غيرها على ما ضبطه التاريخ فالمعنى: لئن لم ينته النصارى عما يقولون (نسبة قول بعض الجماعة إلى جميعهم) ليمسن الذين كفروا منهم و هم القائلون بالتثليث منهم عذاب أليم.
و ربما وجهوا الكلام أعني قوله: {لَيَمَسَّنَّ اَلَّذِينَ كَفَرُوا مِنْهُمْ} بأنه من قبيل وضع الظاهر موضع المضمر، و الأصل: ليمسنهم (انتهى)، و إنما عدل إلى وضع الموصول و صلته مكانه ليدل على أن ذلك القول كفر بالله، و أن الكفر سبب العذاب الذي توعدهم به.

