تفسير الميزان ج٦
70و في قوله تعالى حكاية عنه (عليه السلام): {فَقَدْ حَرَّمَ اَللَّهُ عَلَيْهِ اَلْجَنَّةَ وَ مَأْوَاهُ اَلنَّارُ وَ مَا لِلظَّالِمِينَ مِنْ أَنْصَارٍ} عناية بإبطال ما ينسبونه إلى المسيح من حديث التفدية، و أنه (عليه السلام) باختياره الصلب فدى بنفسه عنهم فهم مغفور لهم مرفوع عنهم التكاليف الإلهية و مصيرهم إلى الجنة و لا يمسون نارا كما تقدم نقل ذلك عنهم في تفسير سورة آل عمران في قصة عيسى (عليه السلام) فقصة التفدية و الصلب إنما سيقت لهذا الغرض.
و ما تحكيه الآية من قوله (عليه السلام) موجود في متفرقات الأبواب من الأناجيل كالأمر بالتوحيد،۱ و إبطال عبادة المشرك،٢ و الحكم بخلود الظالمين في النار٣.
قوله تعالى: {لَقَدْ كَفَرَ اَلَّذِينَ قَالُوا إِنَّ اَللَّهَ ثَالِثُ ثَلاَثَةٍ} أي أحد الثلاثة: الأب و الابن و الروح، أي هو ينطبق على كل واحد من الثلاثة، و هذا لازم قولهم: إن الأب إله، و الابن إله، و الروح إله، و هو ثلاثة، و هو واحد يضاهئون بذلك نظير قولنا: إن زيد بن عمرو إنسان، فهناك أمور ثلاثة هي: زيد و ابن عمرو و الإنسان، و هناك أمر واحد و هو المنعوت بهذه النعوت، و قد غفلوا عن أن هذه الكثرة إن كانت حقيقية غير اعتبارية أوجبت الكثرة في المنعوت حقيقة، و أن المنعوت إن كان واحدا حقيقة أوجب ذلك أن تكون الكثرة اعتبارية غير حقيقية فالجمع بين هذه الكثرة العددية و الوحدة العددية في زيد المنعوت بحسب الحقيقة مما يستنكف العقل عن تعقله.
و لذا ربما ذكر بعض الدعاة من النصارى أن مسألة التثليث من المسائل المأثورة من مذاهب الأسلاف التي لا تقبل الحل بحسب الموازين العلمية، و لم يتنبه أن عليه أن يطالب الدليل على كل دعوى يقرع سمعه سواء كان من دعاوي الأسلاف أو من دعاوي الأخلاف.
قوله تعالى: {وَ مَا مِنْ إِلَهٍ إِلاَّ إِلَهٌ وَاحِدٌ} (إلى آخر الآية) رد منه تعالى لقولهم: {إِنَّ اَللَّهَ ثَالِثُ ثَلاَثَةٍ} بأن الله سبحانه لا يقبل بذاته المتعالية الكثرة بوجه من الوجوه فهو تعالى في ذاته واحد، و إذا اتصف بصفاته الكريمة و أسمائه الحسنى لم يزد
- الإصحاح ١٢: ٢٩ (إنجيل مرقس).
- الإصحاح ٦: ٢٤ (إنجيل متى).
- الإصحاح ١٣: ٥٠، ٢٥: ٣١-٤٧ (إنجيل متى أيضا).

