تفسير الميزان ج٦
68لرؤس الآي، انتهى.
قوله تعالى: {وَ حَسِبُوا أَلاَّ تَكُونَ فِتْنَةٌ فَعَمُوا وَ صَمُّوا} (إلخ)، متمم للكلام في الآية السابقة، و الحسبان هو الظن، و الفتنة هي المحنة التي تغر الإنسان أو هي أعم من كل شر و بلية، و العمى هو عدم إبصار الحق و عدم تمييز الخير من الشر، و الصمم عدم سماع العظة و عدم الإعباء بالنصيحة، و هذا العمى و الصمم معلولا حسبانهم أن لا تكون فتنة، و الظاهر أن حسبانهم ذلك معلول ما قدروا لأنفسهم من الكرامة بكونهم من شعب إسرائيل و أنهم أبناء الله و أحباؤه فلا يمسهم السوء و إن فعلوا ما فعلوا و ارتكبوا ما ارتكبوا.
فمعنى الآية و الله أعلم أنهم لمكان ما اعتقدوا لأنفسهم من كرامة التهود ظنوا أن لا يصيبهم سوء أو لا يفتنون بما فعلوا فأعمى ذلك الظن و الحسبان أبصارهم عن إبصار الحق، و أصم ذلك آذانهم عن سماع ما ينفعهم من دعوة أنبيائهم.
و هذا مما يرجح ما احتملناه أن الآيات كالحجة المبينة لقوله: {إِنَّ اَلَّذِينَ آمَنُوا وَ اَلَّذِينَ هَادُوا} (الآية) فمحصل المعنى أن الأسماء و الألقاب لا تنفع أحدا شيئا فهؤلاء اليهود لم ينفعهم ما قدروا لأنفسهم من الكرامة بالتسمي بل أعماهم و أوردهم مورد الهلكة و الفتنة لما كذبوا أنبياء الله و قتلوهم.
قوله تعالى: {ثُمَّ تَابَ اَللَّهُ عَلَيْهِمْ ثُمَّ عَمُوا وَ صَمُّوا كَثِيرٌ مِنْهُمْ وَ اَللَّهُ بَصِيرٌ بِمَا يَعْمَلُونَ} التوبة من الله على عباده رجوعه تعالى بالرحمة إليهم، و هذا يدل على أن الله سبحانه قد كان بعدهم من رحمته و عنايته و لذلك أخذهم الحسبان المذكور و لزمهم العمى و الصمم، لكن الله سبحانه رجع إليهم ثانية بالتوبة فرفع هذا الحسبان عن قلوبهم، و العمى و الصمم عن أبصارهم و آذانهم، فعرفوا أنفسهم بأنهم عباد لا كرامة لهم على الله إلا بالتقوى، و أبصروا الحق و سمعوا عظة الله لهم بلسان أنبيائه فتبين لهم أن التسمي لا ينفع شيئا.
ثم عموا و صموا كثير منهم، و إسناد العمى و الصمم إلى جمعهم أولا ثم إلى كثير منهم بإتيان كثير منهم بدلا من واو الجمع، أخذ بالنصفة في الكلام بالدلالة على أن إسناد العمى و الصمم إلى جمعهم من قبيل إسناد حكم البعض إلى الكل، و الواقع أن

