تفسير الميزان ج٦
61و أبو الشيخ عن مجاهد قال: لما نزلت {بَلِّغْ مَا أُنْزِلَ إِلَيْكَ مِنْ رَبِّك} قال: يا رب إنما أنا واحد كيف أصنع؟ يجتمع علي الناس فنزلت {وَ إِنْ لَمْ تَفْعَلْ فَمَا بَلَّغْتَ رِسَالَتَهُ}.
و فيها عن الحسن: أن رسول الله (صلى الله عليه وآله و سلم) قال: إن الله بعثني برسالته فضقت بها ذرعا، و عرفت أن الناس مكذبي فوعدني لأبلغن أو ليعذبني فأنزل: {يَا أَيُّهَا اَلرَّسُولُ بَلِّغْ مَا أُنْزِلَ إِلَيْكَ مِنْ رَبِّك}.
أقول: الروايتان على ما فيهما من القطع و الإرسال فيهما ما في سابقتهما، و نظيرتهما في هذا التشويش بعض ما ورد: في أن رسول الله (صلى الله عليه وآله و سلم) كان يحترس برجال فلما نزلت الآية فرقهم و قال (عليه السلام) إن ربي وعدني أن يعصمني.
و في تفسير المنار: روى أهل التفسير المأثور و الترمذي و أبو الشيخ و الحاكم و أبو نعيم و البيهقي و الطبراني عن بضعة رجال من الصحابة: أن النبي (صلى الله عليه وآله و سلم) كان يحرس في مكة قبل نزول هذه الآية فلما نزلت ترك الحرس، و كان أبو طالب أول الناس اهتماما بحراسته، و حرسه العباس أيضا.
و فيه: و مما روي في ذلك عن جابر و ابن عباس: أن النبي (صلى الله عليه وآله و سلم) كان يحرس، و كان يرسل معه عمه أبو طالب كل يوم رجالا من بني هاشم حتى نزلت الآية فقال: يا عم إن الله قد عصمني لا حاجة لي إلى من يبعث.
أقول: و الروايتان كما ترى تدلان على أن الآية نزلت في أواسط إقامة النبي (صلى الله عليه وآله و سلم) بمكة و أنه (صلى الله عليه وآله و سلم) بلغ رسالته زمانا و اشتد عليه أمر إيذاء الناس و تكذيبهم حتى خاف على نفسه منهم فترك التبليغ و الدعوة فأمر ثانيا بالتبليغ، و هدد من جانب الله سبحانه، و وعد بالعصمة، فاشتغل ثانيا بما كان يشتغل به أولا، و هذا شيء يجل عنه ساحة النبي ص.
و في الدر المنثور و فتح القدير: أخرج عبد بن حميد و الترمذي و ابن جرير و ابن المنذر و ابن أبي حاتم و أبو الشيخ و الحاكم و ابن مردويه و أبو نعيم و البيهقي كلاهما في الدلائل عن عائشة قالت: كان رسول الله يحرس حتى نزلت: {وَ اَللَّهُ يَعْصِمُكَ مِنَ اَلنَّاس} فأخرج رأسه من القبة فقال: أيها الناس انصرفوا فقد عصمني الله.
أقول: و الرواية كما ترى ظاهرة في نزولها بالمدينة.

