تفسير الميزان ج٦
50و قد قال تعالى: {اَللَّهُ أَعْلَمُ حَيْثُ يَجْعَلُ رِسَالَتَهُ}: الأنعام - ١٢٤.
فالجملة أعني قوله: {وَ إِنْ لَمْ تَفْعَلْ فَمَا بَلَّغْت} (إلخ)، إنما تفيد التهديد بظاهرها و تفيد إعلامه (عليه السلام) و إعلام غيره ما لهذا الحكم من الأهمية، و أن الرسول معذور في تبليغه.
قوله تعالى: {وَ اَللَّهُ يَعْصِمُكَ مِنَ اَلنَّاسِ إِنَّ اَللَّهَ لاَ يَهْدِي اَلْقَوْمَ اَلْكَافِرِين} قال الراغب: العصم (بالفتح فالسكون) الإمساك و الاعتصام الاستمساك إلى أن قال و العصام (بالكسر) ما يعتصم به أي يشد، و عصمة الأنبياء حفظه إياهم أولا بما خصهم به من صفاء الجوهر، ثم بما أولاهم من الفضائل الجسمية و النفسية، ثم بالنصرة و بتثبيت أقدامهم، ثم بإنزال السكينة عليهم و بحفظ قلوبهم و بالتوفيق قال تعالى: {وَ اَللَّهُ يَعْصِمُكَ مِنَ اَلنَّاسِ}.
و العصمة شبه السوار، و المعصم موضعها من اليد، و قيل للبياض بالرسغ عصمة تشبيها بالسوار، و ذلك كتسمية البياض بالرجل تحجيلا، و على هذا قيل: غراب أعصم، انتهى.
و ما ذكره من معنى عصمة الأنبياء حسن لا بأس به غير أنه لا ينطبق على الآية {وَ اَللَّهُ يَعْصِمُكَ مِنَ اَلنَّاسِ} بل لو انطبق فإنما ينطبق على مثل قوله: {وَ مَا يَضُرُّونَكَ مِنْ شَيْءٍ وَ أَنْزَلَ اَللَّهُ عَلَيْكَ اَلْكِتَابَ وَ اَلْحِكْمَةَ وَ عَلَّمَكَ مَا لَمْ تَكُنْ تَعْلَمُ وَ كَانَ فَضْلُ اَللَّهِ عَلَيْكَ عَظِيماً}: النساء: ١١٣.
و أما قوله: {وَ اَللَّهُ يَعْصِمُكَ مِنَ اَلنَّاسِ} فإن ظاهره أنها عصمة بمعنى الحفظ و الوقاية من شر الناس المتوجه إلى نفس النبي الشريفة أو مقاصده الدينية أو نجاح تبليغه و فلاح سعيه، و بالجملة المعنى المناسب لساحته المقدسة.
و كيف كان فالمتحصل من موارد استعمال الكلمة أنها بمعنى الإمساك و القبض فاستعماله في معنى الحفظ من قبيل استعارة اللازم لملزومه فإن الحفظ يلزمه القبض.
و كان تعليق العصمة بالناس من دون بيان أن العصمة من أي شأن من شئون الناس كتعدياتهم بالإيذاء في الجسم من قتل أو سم أو أي اغتيال، أو بالقول كالسب و الافتراء، أو بغير ذلك كتقليب الأمور بنوع من المكر و الخديعة و المكيدة و بالجملة

