تفسير الميزان ج٦
42(بيان)
معنى الآية في نفسها ظاهر فإنها تتضمن أمر الرسول (صلى الله عليه وآله و سلم) بالتبليغ في صورة التهديد، و وعده (صلى الله عليه وآله و سلم) بالعصمة من الناس، غير أن التدبر في الآية من حيث وقوعها موقعها الذي وقعت فيه، و قد حففتها الآيات المتعرضة لحال أهل الكتاب و ذمهم و توبيخهم بما كانوا يتعاورونه من أقسام التعدي إلى محارم الله و الكفر بآياته. و قد اتصلت بها من جانبيها الآيتان، أعني قوله: {وَ لَوْ أَنَّهُمْ أَقَامُوا اَلتَّوْرَاةَ وَ اَلْإِنْجِيلَ وَ مَا أُنْزِلَ إِلَيْهِمْ مِنْ رَبِّهِمْ لَأَكَلُوا مِنْ فَوْقِهِمْ وَ مِنْ تَحْتِ أَرْجُلِهِمْ} (الآية)، و قوله تعالى: {قُلْ يَا أَهْلَ اَلْكِتَابِ لَسْتُمْ عَلىَ شَيْءٍ حَتَّى تُقِيمُوا اَلتَّوْرَاةَ وَ اَلْإِنْجِيلَ وَ مَا أُنْزِلَ إِلَيْكُمْ مِنْ رَبِّكُمْ} (الآية).
ثم الإمعان في التدبر في نفس الآية و ارتباط الجمل المنضودة فيها يزيد الإنسان عجبا على عجب.
فلو كانت الآية متصلة بما قبلها و ما بعدها في سياق واحد في أمر أهل الكتاب لكان محصلها أمر النبي (صلى الله عليه وآله و سلم) أشد الأمر بتبليغ ما أنزله الله سبحانه في أمر أهل الكتاب، و تعين بحسب السياق أن المراد بما أنزل إليه من ربه هو ما يأمره بتبليغه في قوله: {قُلْ يَا أَهْلَ اَلْكِتَابِ لَسْتُمْ عَلى شَيْءٍ حَتَّى تُقِيمُوا اَلتَّوْرَاةَ وَ اَلْإِنْجِيلَ وَ مَا أُنْزِلَ إِلَيْكُمْ مِنْ رَبِّكُمْ} (الآية).
و سياق الآية يأباه فإن قوله: {وَ اَللَّهُ يَعْصِمُكَ مِنَ اَلنَّاسِ} يدل على أن هذا الحكم المنزل المأمور بتبليغه أمر مهم فيه مخافة الخطر على نفس النبي (صلى الله عليه وآله و سلم) أو على دين الله تعالى من حيث نجاح تبليغه، و لم يكن من شأن اليهود و لا النصارى في عهد النبي (صلى الله عليه وآله و سلم) أن يتوجه إليه من ناحيتهم خطر يسوغ له (صلى الله عليه وآله و سلم) أن يمسك عن التبليغ أو يؤخره إلى حين فيبلغ الأمر إلى حيث يحتاج إلى أن يعده الله بالعصمة منهم إن بلغ ما أمر به فيهم حتى في أوائل هجرته (صلى الله عليه وآله و سلم) إلى المدينة و عنده حدة اليهود و شدتهم حتى انتهى إلى وقائع خيبر و غيرها.
على أن الآية لا تتضمن أمرا شديدا و لا قولا حادا، و قد تقدم عليه تبليغ ما هو أشد و أحد و أمر من ذلك على اليهود، و قد أمر النبي (صلى الله عليه وآله و سلم) بتبليغ ما هو أشد

