تفسير الميزان ج٦
36الكفر من آثار الطغيان و تبعاته.
قوله تعالى: {وَ أَلْقَيْنَا بَيْنَهُمُ اَلْعَدَاوَةَ وَ اَلْبَغْضَاءَ إِلى يَوْمِ اَلْقِيَامَةِ} ضمير بينهم راجع إلى اليهود على ما هو ظاهر وقوع الجملة في سياق الكلام على اليهود خاصة و إن كانت الآيات بدأت الكلام في أهل الكتاب عامة، و على هذا فالمراد بالعداوة و البغضاء بينهم ما يرجع إلى الاختلاف في المذاهب و الآراء، و قد أشار الله سبحانه إليه في مواضع من كلامه كقوله: {وَ لَقَدْ آتَيْنَا بَنِي إِسْرَائِيلَ اَلْكِتَابَ وَ اَلْحُكْمَ وَ اَلنُّبُوَّةَ} إلى أن قال {فَمَا اِخْتَلَفُوا إِلاَّ مِنْ بَعْدِ مَا جَاءَهُمُ اَلْعِلْمُ بَغْياً بَيْنَهُمْ إِنَّ رَبَّكَ يَقْضِي بَيْنَهُمْ يَوْمَ اَلْقِيَامَةِ فِيمَا كَانُوا فِيهِ يَخْتَلِفُون}: الجاثية: ١٧ و غير ذلك من الآيات.
و العداوة كأن المراد بها البغض الذي يستصحب التعدي في العمل، و البغضاء هو مطلق ما في القلب من حالة النفار و إن لم يستعقب التعدي في العمل فيفيد اجتماعهما معنى البغض الذي يوجب الظلم على الغير و البغض الذي يقصر عنه.
و في قوله تعالى: {إِلى يَوْمِ اَلْقِيَامَةِ} ما لا يخفى من الدلالة على بقاء أمتهم إلى آخر الدنيا.
قوله تعالى: {كُلَّمَا أَوْقَدُوا نَاراً لِلْحَرْبِ أَطْفَأَهَا اَللَّهُ} إيقاد النار إشعالها، و إطفاؤها إخمادها، و المعنى واضح، و من المحتمل أن يكون قوله: {كُلَّمَا أَوْقَدُوا} (إلخ) بيانا لقوله: {وَ أَلْقَيْنَا بَيْنَهُمُ اَلْعَدَاوَة} (إلخ) فيعود المعنى إلى أنه كلما أثاروا حربا على النبي ص و المؤمنين أطفأها الله بإلقاء الاختلاف بينهم.
و الآية على ما يدل عليه السياق تسجل عليهم خيبة المسعى في إيقاد النيران التي يوقدونها على دين الله سبحانه، و على المسلمين بما أنهم مؤمنون بالله و آياته، و أما الحروب التي ربما أمكن أن يوقدوا نارها لا لأمر الدين الحق بل لسياسة أو تغلب جنسي أو ملي فهي خارجة عن مساق الآية.
قوله تعالى: {وَ يَسْعَوْنَ فِي اَلْأَرْضِ فَسَاداً وَ اَللَّهُ لاَ يُحِبُّ اَلْمُفْسِدِين} السعي هو السير السريع، و قوله: {فَسَاداً} مفعول له أي يجتهدون لإفساد الأرض، و الله لا يحب المفسدين فلا يخليهم و أن ينالوا ما أرادوه من فساد الأرض فيخيب سعيهم، و الله أعلم.

