تفسير الميزان ج٦
35العالي و الهداية التامة ثم أحست بما يتعقبه من ذلتها و استكانتها في نفس ما كانت تتعزز و تتباهى به و هو العلم و الكتاب.
لا جرم تستيقظ من رقدتها، و تطغى عاديتها، و يزيد طغيانها و كفرها.
فنسبة زيادة طغيانهم و كفرهم إلى القرآن إنما هي بعناية أن أنفسهم الباغية الحاسدة ثارت بالطغيان و الكفر بمشاهدة نزول القرآن و إدراك ما يتضمنه من المعارف الحقة و الدعوة الظاهرة.
على أن الله سبحانه ينسب الهداية و الإضلال في كتابه إلى نفسه كثيرا كقوله: {كُلاًّ نُمِدُّ هَؤُلاَءِ وَ هَؤُلاَءِ مِنْ عَطَاءِ رَبِّكَ وَ مَا كَانَ عَطَاءُ رَبِّكَ مَحْظُوراً}: الإسراء: ٢٠ و قال في خصوص القرآن: {وَ نُنَزِّلُ مِنَ اَلْقُرْآنِ مَا هُوَ شِفَاءٌ وَ رَحْمَةٌ لِلْمُؤْمِنِينَ وَ لاَ يَزِيدُ اَلظَّالِمِينَ إِلاَّ خَسَاراً}: الإسراء: ٨٢ و الإضلال أو ما يشبهه إنما يعد مذموما إذا كان إضلالا ابتدائيا، و أما ما كان منه من قبيل الجزاء إثر فسق و معصية من الضال يوجب نزول السخط الإلهي عليه و يستدعي حلول ما هو أشد مما هو فيه من الضلال فلا ضير في الإضلال بهذا المعنى و لا ذم يلحقه كما يشير إليه قوله: {وَ مَا يُضِلُّ بِهِ إِلاَّ اَلْفَاسِقِين}: البقرة: ٢٦، و قوله: {فَلَمَّا زَاغُوا أَزَاغَ اَللَّهُ قُلُوبَهُمْ}: الصف - ٥.
و بالأخرة يعود معنى زيادة القرآن طغيانهم و كفرهم إلى سلب التوفيق و عدم تعلق العناية الإلهية بردهم مما هم فيه من الطغيان و الكفر بآيات الله إلى التسليم و الإيمان بإجابة الدعوة الحقة، و قد تقدم البحث عن هذا المعنى في تفسير قوله تعالى: {وَ مَا يُضِلُّ بِهِ إِلاَّ اَلْفَاسِقِين}: البقرة: ٢٦ في الجزء الأول من هذا الكتاب.
و لنرجع إلى أول الكلام فقوله: {وَ لَيَزِيدَنَّ كَثِيراً مِنْهُمْ} (إلخ)، كأنه مسوق لرفع الاستبعاد و التعجب الناشئ من اجتراء هؤلاء المتسمين بأهل الكتاب، و المدعين أنهم أبناء الله و أحباؤه على ربهم بمثل هذه الكلمة المهينة المزرية: (يد الله مغلولة).
و إن من المحتوم اللازم لهم هذه الزيادة في الطغيان و الكفر التي هذه الكلمة من آثارها و سيتلوها آثار بعد آثار مشوهة، و هذا هو المستفاد من التأكيد المدلول عليه بلام القسم و نون التأكيد في قوله: {لَيَزِيدَنّ}.
و في تعقيب الطغيان بالكفر من غير عكس جرى على الترتيب الطبعي فإن

