تفسير الميزان ج٦
30و عبادة الطاغوت شر من الإيمان بالله و كتبه و أشد ضلالا، دون أن يقال: إن من لعنه الله و جعل منهم القردة و الخنازير و عبد الطاغوت شر مكانا و أضل إلا بوضع الموصوف مكان الوصف، و هو شائع في القرآن الكريم كقوله تعالى: {وَ لَكِنَّ اَلْبِرَّ مَنْ آمَنَ بِاللَّهِ} (الآية).
و بالجملة فمحصل المعنى أن إيماننا بالله و ما أنزله على رسله إن كان شرا عندكم فأنا أخبركم بشر من ذلك يجب عليكم أن تنقموه و هو النعت الذي فيكم.
و ربما قيل: إن الإشارة بقوله: {ذَلِك} إلى جمع المؤمنين المدلول عليه بقوله: {هَلْ تَنْقِمُونَ مِنَّا} و على هذا فالكلام على استوائه من غير قلب، و المعنى هل أنبئكم بمن هو شر من المؤمنين لتنقموهم؟ و هم أنتم أنفسكم، و قد ابتليتم باللعن و المسخ و عبادة الطاغوت.
و ربما قيل: إن قوله: {مِنْ ذَلِك} إشارة إلى المصدر المدلول عليه بقوله {هَلْ تَنْقِمُونَ مِنَّا} أي هل أنبئكم بشر من نقمتكم هذه مثوبة و جزاء؟ هو ما ابتليتم به من اللعن و المسخ و غير ذلك.
قوله تعالى: {وَ إِذَا جَاؤُكُمْ قَالُوا آمَنَّا وَ قَدْ دَخَلُوا بِالْكُفْرِ وَ هُمْ قَدْ خَرَجُوا بِهِ} (إلى آخر الآية) يشير تعالى إلى نفاق قلوبهم و إضمارهم ما لا يرتضيه الله سبحانه في لقائهم المؤمنين فقال: و إذا جاءوكم قالوا آمنا أي أظهروا الإيمان و الحال أنهم قد دخلوا عليكم مع الكفر و قد خرجوا من عندكم بالكفر أي هم على حالة واحدة عند الدخول و الخروج و هو الكفر لم يتغير عنه و إنما يظهرون الإيمان إظهارا، و الحال أن الله يعلم ما كانوا يكتمونه سابقا من الغدر و المكر.
فقوله: {وَ قَدْ دَخَلُوا بِالْكُفْرِ وَ هُمْ قَدْ خَرَجُوا بِهِ} في معنى قولنا: لم يتغير حالهم في الكفر، و الضمير في قوله: {هُمْ قَدْ خَرَجُوا} جيء به للتأكيد، و إفادة تمييزهم في الأمر و تثبيت الكفر فيهم.
و ربما قيل: إن المعنى أنهم متحولون في أحوال الكفر المختلفة.
قوله تعالى: {وَ تَرى كَثِيراً مِنْهُمْ يُسَارِعُونَ فِي اَلْإِثْمِ وَ اَلْعُدْوَانِ وَ أَكْلِهِمُ اَلسُّحْت} (إلى آخر الآية)، الظاهر أن المراد بالإثم هو الخوض في آيات الدين النازلة على المؤمنين

