تفسير الميزان ج٦
29و ربما قيل: إن قوله: {وَ أَنَّ أَكْثَرَكُمْ فَاسِقُون} بتقدير لام التعليل و المعنى: هل تنقمون منا إلا لأن أكثركم فاسقون؟
و قوله: {أَنْ آمَنَّا بِاللَّهِ وَ مَا أُنْزِلَ إِلَيْنَا وَ مَا أُنْزِلَ مِنْ قَبْلُ} في معنى ما أنزل إلينا و إليكم، و لم ينسبه إليهم تعريضا بهم كأنهم إذا لم يفوا بما عاهدوا الله عليه و لم يعملوا بما تأمرهم به كتبهم فكتبهم لم تنزل إليهم و ليسوا بأهلها.
و محصل المعنى: أنا لا نفرق بين كتاب و كتاب مما أنزله الله على رسله فلا نفرق بين رسله، و فيه تعريض لهم أنهم يفرقون بين رسل الله و يقولون: {نُؤْمِنُ بِبَعْضٍ وَ نَكْفُرُ بِبَعْضٍ} كما كانوا يقولون: {آمِنُوا بِالَّذِي أُنْزِلَ عَلَى اَلَّذِينَ آمَنُوا وَجْهَ اَلنَّهَارِ وَ اُكْفُرُوا آخِرَهُ} قال تعالى: {إِنَّ اَلَّذِينَ يَكْفُرُونَ بِاللَّهِ وَ رُسُلِهِ وَ يُرِيدُونَ أَنْ يُفَرِّقُوا بَيْنَ اَللَّهِ وَ رُسُلِهِ وَ يَقُولُونَ نُؤْمِنُ بِبَعْضٍ وَ نَكْفُرُ بِبَعْضٍ وَ يُرِيدُونَ أَنْ يَتَّخِذُوا بَيْنَ ذَلِكَ سَبِيلاً أُولَئِكَ هُمُ اَلْكَافِرُونَ حَقًّا وَ أَعْتَدْنَا لِلْكَافِرِينَ عَذَاباً مُهِيناً}: النساء: ١٥١.
قوله تعالى: {قُلْ هَلْ أُنَبِّئُكُمْ بِشَرٍّ مِنْ ذَلِكَ مَثُوبَةً عِنْدَ اَللَّهِ مَنْ لَعَنَهُ اَللَّهُ} (إلى آخر الآية) ذكروا أن هذا أمر منه تعالى لنبيه (صلى الله عليه وآله و سلم) أن يخاطب أولئك المستهزءين اللاعبين بالدين على طريق التسليم أخذا بالنصفة في التكليم ليلزمهم أنهم إن نقموا من المؤمنين إيمانهم بالله و ما أنزله على رسله فعليهم أن ينقموا أنفسهم لأنهم شر مكانا و أضل عن سواء السبيل لابتلائهم باللعن الإلهي و المسخ بالقردة و الخنازير و عبادة الطاغوت فإذا لم ينقموا أنفسهم على ما فيهم من أسباب النقمة فليس لهم أن ينقموا من لم يبتل إلا بما هو دونه في الشر، و هم المؤمنون في إيمانهم على تقدير تسليم أن يكون إيمانهم بالله و كتبه شرا، و لن يكون شرا.
فالمراد بالمثوبة مطلق الجزاء، و لعلها استعيرت للعاقبة و الصفة اللازمة كما يستفاد من تقييد قوله: {بِشَرٍّ مِنْ ذَلِكَ مَثُوبَةً} بقوله: {عِنْدَ اَللَّهِ} فإن الذي عند الله هو أمر ثابت غير متغير و قد حكم به الله و أمر به، قال تعالى: {وَ مَا عِنْدَ اَللَّهِ بَاقٍ}: النحل: ٩٦، و قال تعالى: {لاَ مُعَقِّبَ لِحُكْمِهِ}: الرعد: ٤١، فهذه المثوبة مثوبة لازمة لكونها عند الله سبحانه.
و في الكلام شبه قلب، فإن مقتضى استواء الكلام أن يقال: إن اللعن و المسخ

