تفسير الميزان ج٦
28كانوا متلبسين بالإيمان أي كان الدين لهم دينا لم يكن لهم بد من تقوى الله في أمرهم أي عدم اتخاذهم أولياء.
و من المحتمل أن يكون قوله: {وَ اِتَّقُوا اَللَّهَ إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِين} إشارة إلى ما ذكره تعالى من نحو قوله قبيل آيات: {وَ مَنْ يَتَوَلَّهُمْ مِنْكُمْ فَإِنَّهُ مِنْهُمْ} و المعنى: و اتقوا الله في اتخاذهم أولياء إن لم تكونوا منهم، و المعنى الأول لعله أظهر.
قوله تعالى: {وَ إِذَا نَادَيْتُمْ إِلَى اَلصَّلاَةِ اِتَّخَذُوهَا هُزُواً وَ لَعِباً} (إلخ) تحقيق لما ذكر أنهم يتخذون دين الذين آمنوا هزوا و لعبا، و المراد بالنداء إلى الصلاة الأذان المشروع في الإسلام قبل الصلوات المفروضة اليومية، و لم يذكر الأذان في القرآن الكريم إلا في هذا الموضع كما قيل .
و الضمير في قوله {اِتَّخَذُوهَا} راجع إلى الصلاة أو إلى المصدر المفهوم من قوله: {إِذَا نَادَيْتُمْ} أعني المناداة، و يجوز في الضمير العائد إلى المصدر التذكير و التأنيث، و قوله: {ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ قَوْمٌ لاَ يَعْقِلُون} تذييل يجري مجرى الجواب عن فعلهم و بيان أن صدور هذا الفعل أعني اتخاذ الصلاة أو الأذان هزوا و لعبا منهم إنما هو لكونهم قوما لا يعقلون فلا يسعهم أن يتحققوا ما في هذه الأركان و الأعمال العبادية الدينية من حقيقة العبودية و فوائد القرب من الله، و جماع سعادة الحياة في الدنيا و العقبى.
قوله تعالى: {قُلْ يَا أَهْلَ اَلْكِتَابِ هَلْ تَنْقِمُونَ مِنَّا إِلاَّ أَنْ آمَنَّا بِاللَّهِ} (إلى آخر الآية) قال الراغب في مفردات القرآن: نقمت الشيء (بالكسر) و نقمته (بالفتح) إذا أنكرته إما باللسان و إما بالعقوبة، قال تعالى: {وَ مَا نَقَمُوا إِلاَّ أَنْ أَغْنَاهُمُ اَللَّهُ}، {وَ مَا نَقَمُوا مِنْهُمْ إِلاَّ أَنْ يُؤْمِنُوا بِاللَّهِ}، {هَلْ تَنْقِمُونَ مِنَّا} (الآية) و النقمة: العقوبة قال تعالى: {فَانْتَقَمْنَا مِنْهُمْ فَأَغْرَقْنَاهُمْ فِي اَلْيَمِّ} انتهى.
فمعنى قوله: {هَلْ تَنْقِمُونَ مِنَّا إِلاَّ أَنْ آمَنَّا} «إلخ»: هل تنكرون أو تكرهون منا إلا هذا الذي تشاهدونه و هو أنا آمنا بالله و ما أنزله و إنكم فاسقون؟ نظير قول القائل: هل تكره مني إلا أني عفيف و أنك فاجر، و هل تنكر مني إلا أني غني و أنك فقير؟ إلى غير ذلك من موارد المقابلة و الازدواج فالمعنى: هل تنكرون منا إلا أنا مؤمنون و أن أكثركم فاسقون.

