تفسير الميزان ج٦
225ليأخذ كل واحد منهم شيئا يسيرا (٨) قال له واحد من تلاميذه و هو أندراوس أخو سمعان بطرس (٩) هنا غلام معه خمسة أرغفة شعير و سمكتان و لكن ما هذا لمثل هؤلاء (١٠) فقال يسوع اجعلوا الناس يتكئون و كان في المكان عشب كثير فاتكأ الرجال و عددهم نحو خمسة آلاف (١١) و أخذ يسوع الأرغفة و شكر و وزع على التلاميذ و التلاميذ أعطوا المتكئين و كذلك من السمكتين بقدر ما شاءوا (١٢) فلما شبعوا قال لتلاميذه أجمعوا الكسر الفاضلة لكي لا يضيع شيء (١٣) فجمعوا و ملئوا اثنتي عشرة قفة من الكسر من خمسة أرغفة الشعير التي فضلت عن الآكلين (١٤) فلما رأى الناس الآية التي صنعها يسوع - قالوا إن هذا هو بالحقيقة النبي الآتي إلى العالم (١٥) و أما يسوع فإذ علم أنهم مزمعون أن يأتوا و يختطفوه ليجعلوه ملكا انصرف أيضا إلى الجبل وحده».
ثم إن التدبر في هذه القصة بما لها من سياق مسرود في كلامه تعالى يهدي إلى جهة أخرى من البحث فإن السؤال المذكور في أولها بظاهره خال عن رعاية الأدب و الواجب حفظه في جنب الله سبحانه، و قد انتهى الكلام إلى وعيد منه تعالى لمن يكفر بهذه الآية وعيدا لا يوجد له نظير في شيء من الآيات التي اختص الله سبحانه بها أنبياءه أو اقترحها أممهم عليهم كاقتراح أمم نوح و هود و صالح و شعيب و موسى و محمد (صلى الله عليه وآله و سلم).
فهل كان ذلك لكون الحواريين و هم السائلون أساءوا الأدب في سؤالهم؟ لأن لفظهم لفظ من يشك في قدرة الله سبحانه؛ ففي اقتراحات الأمم السابقة عليهم من الإهانة بمقام ربهم و السخرية و الهزء بأنبيائهم و كذا ما توجد حكايته في القرآن من طواغيت قوم النبي ص و اليهود المعاصرين له ما هو أوقح من ذلك و أشنع!
أو أنهم لكونهم مؤمنين قبل السؤال و النزول لو كفروا بعد النزول و مشاهدة الآية الباهرة استحقوا هذا الوعيد على هذه الشدة؟ فالكفر بعد مشاهدة الآية الباهرة و إن كان عتوا و طغيانا كبيرا لكنه لا يختص بهم، ففي سائر الأمم أمثال لهم في ذلك و لم يوعدوا بمثل هذا الوعيد قط حتى الذين ارتدوا منهم بعد التمكن في مقام القرب و التحقق بآيات الله سبحانه كالذي يذكره الله سبحانه في قوله: {وَ اُتْلُ عَلَيْهِمْ نَبَأَ اَلَّذِي آتَيْنَاهُ آيَاتِنَا فَانْسَلَخَ مِنْهَا فَأَتْبَعَهُ اَلشَّيْطَانُ فَكَانَ مِنَ اَلْغَاوِينَ}: الأعراف: ١٧٥.

