تفسير الميزان ج٦
220آل عمران: ٤٥ ٥٠.
و التأمل في سياق الآيات يوضح الوجه في عد ما ذكره من الآيات المختصة ظاهرا بالمسيح نعمة عليه و على والدته جميعا كما تشعر به آيات آل عمران فإن البشارة إنما تكون بنعمة، و الأمر على ذلك فإن ما اختص به المسيح (عليه السلام) من آية و موهبة كالولادة من غير أب و التأييد بروح القدس و خلق الطير و إبراء الأكمه و الأبرص و إحياء الموتى بإذن الله سبحانه فهي بعينها كرامة لمريم كما أنها كرامة لعيسى (عليه السلام) فهما معا منعمان بالنعمة الإلهية كما قال تعالى: {نِعْمَتِي عَلَيْكَ وَ عَلى وَالِدَتِكَ}.
و إلى ذلك يشير تعالى بقوله: {وَ جَعَلْنَاهَا وَ اِبْنَهَا آيَةً لِلْعَالَمِينَ}: الأنبياء: ٩١ حيث عدهما معا آية واحدة لا آيتين.
و قوله: {إِذْ أَيَّدْتُكَ بِرُوحِ اَلْقُدُسِ تُكَلِّمُ اَلنَّاسَ} الظاهر أن التأييد بروح القدس هو السبب المهيئ له لتكليم الناس في المهد، و لذلك وصل قوله {تُكَلِّمُ اَلنَّاسَ} من غير أن يفصله بالعطف إلى الجملة السابقة إشعارا بأن التأييد و التكليم معا أمر واحد مؤلف من سبب و مسبب، و اكتفى في موارد من كلامه بذكر أحد الأمرين عن الآخر كقوله في آيات آل عمران المنقولة آنفا: {وَ يُكَلِّمُ اَلنَّاسَ فِي اَلْمَهْدِ وَ كَهْلاً}، و قوله: {وَ آتَيْنَا عِيسَى اِبْنَ مَرْيَمَ اَلْبَيِّنَاتِ وَ أَيَّدْنَاهُ بِرُوحِ اَلْقُدُسِ}: البقرة: ٢٥٣.
على أنه لو كان المراد بتأييده بروح القدس مسألة الوحي بوساطة الروح لم يختص بعيسى بن مريم (عليه السلام) و شاركه فيها سائر الرسل مع أن الآية تأبى ذلك بسياقها.
و قوله: {وَ إِذْ عَلَّمْتُكَ اَلْكِتَابَ وَ اَلْحِكْمَةَ وَ اَلتَّوْرَاةَ وَ اَلْإِنْجِيلَ} من الممكن أن يستفاد منه أنه (عليه السلام) إنما تلقى علم ذلك كله بتلق واحد عن أمر إلهي واحد من غير تدريج و تعدد كما أنه أيضا ظاهر جمع الجميع و تصديرها بإذ من غير تكرار لها.
و كذلك قوله: {إِذْ تَخْلُقُ مِنَ اَلطِّينِ كَهَيْئَةِ اَلطَّيْرِ بِإِذْنِي فَتَنْفُخُ فِيهَا فَتَكُونُ طَيْراً بِإِذْنِي وَ تُبْرِئُ اَلْأَكْمَهَ وَ اَلْأَبْرَصَ بِإِذْنِي} ظاهر السياق من جهة عدم تكرار لفظة {إِذْ} أن خلق الطير و إبراء الأكمه و الأبرص كانا متقارنين زمانا، و أن تذييل خلق الطير بذكر الإذن من غير أن يكتفي بالإذن المذكور في آخر الجملة إنما هو لعظمة أمر الخلق بإفاضة

