تفسير الميزان ج٦
217قال صاحب البرهان: قال ابن بابويه: يعني بذلك أنه من وراء آيات التوبيخ و الوعيد آيات الرحمة و الغفران.
أقول: و ما نقله عن الصدوق رحمه الله في معنى قوله (عليه السلام): «القرآن كله تقريع و باطنه تقريب» لا ينطبق عليه لا بالنظر إلى صدر الرواية فإن كون معنى قول الرسل (عليه السلام): {لاَ عِلْمَ لَنَا} أنه لا علم لنا بسواك غير مرتبط بكون القرآن مشتملا على نوعين من الآيات: آيات الوعد و آيات الوعيد.
و لا بالنظر إلى سياق نفس الجملة أعني قوله: «القرآن كله تقريع و باطنه تقريب» فإن الكلام ظاهر في أن القرآن كله تقريع و كله تقريب، و إنما يختلف الأمر بحسب الباطن و الظاهر فباطنه تقريب و ظاهره تقريع، لا أن القرآن منقسم إلى قسمين فقسم منه آيات التقريع و وراءه القسم الآخر و هو آيات التقريب.
و التأمل في كلامه (عليه السلام) مع ملاحظة صدر الرواية يعطي أن مراده (عليه السلام) من التقريع بالنظر إلى مقابلة التقريب لازم معناه و هو التبعيد المقابل للتقريب، و القرآن كله معارف و حقائق فظاهره تبعيد الحقائق بعضها من بعض و تفصيل أجزائها، و باطنه تقريب البعض من البعض و إحكامها و توحيدها، و يعود محصل المراد إلى أن القرآن بحسب ظاهره يعطي حقائق من المعارف مختلفة بعضها بائن منفصل من بعض لكنها على كثرتها و بينونتها و ابتعاد بعضها من بعض بحسب الباطن يقترب بعضها من بعض و تلتئم شتى معانيها حتى تتحد حقيقة واحدة كالروح الساري في الجميع، و ليست إلا حقيقة التوحيد قال الله تعالى: {كِتَابٌ أُحْكِمَتْ آيَاتُهُ ثُمَّ فُصِّلَتْ مِنْ لَدُنْ حَكِيمٍ خَبِيرٍ}: هود: ١.
و يظهر حينئذ انطباقه على ما ذكره (عليه السلام) في صدر الرواية أن معنى قول الرسل: {لاَ عِلْمَ لَنَا} أن لا علم لنا بسواك فإن الإنسان أو أي عالم فرض إنما يعلم ما يعلم بالله بمعنى أن الله سبحانه هو المعلوم بذاته و غيره معلوم به، و بعبارة أخرى إذا تعلق العلم بشيء فإنما يتعلق أولا بالله سبحانه على ما يليق بساحة قدسه و كبريائه ثم يتعلق من جهته بذلك الشيء لما أن الله سبحانه عنده علم كل شيء يرزق منه لمن يشاء من عباده على قدر ما يشاء كما قال تعالى: {وَ لاَ يُحِيطُونَ بِشَيْءٍ مِنْ عِلْمِهِ إِلاَّ بِمَا شَاءَ وَسِعَ

