تفسير الميزان ج٦
214فقالوا: يا رسول الله قد ظهر على ابن بندي و ابن أبي مارية ما ادعيناه عليهما، فانتظر رسول الله (صلى الله عليه وآله و سلم) من الله عز و جل الحكم في ذلك.
فأنزل الله تبارك و تعالى: {يَا أَيُّهَا اَلَّذِينَ آمَنُوا شَهَادَةُ بَيْنِكُمْ إِذَا حَضَرَ أَحَدَكُمُ اَلْمَوْتُ حِينَ اَلْوَصِيَّةِ اِثْنَانِ ذَوَا عَدْلٍ مِنْكُمْ أَوْ آخَرَانِ مِنْ غَيْرِكُمْ إِنْ أَنْتُمْ ضَرَبْتُمْ فِي اَلْأَرْضِ} فأطلق الله عز و جل شهادة أهل الكتاب على الوصية فقط إذا كان في سفر و لم يجد المسلمين.
ثم قال: {فَأَصَابَتْكُمْ مُصِيبَةُ اَلْمَوْتِ تَحْبِسُونَهُمَا مِنْ بَعْدِ اَلصَّلاَةِ فَيُقْسِمَانِ بِاللَّهِ إِنِ اِرْتَبْتُمْ لاَ نَشْتَرِي بِهِ ثَمَناً وَ لَوْ كَانَ ذَا قُرْبى وَ لاَ نَكْتُمُ شَهَادَةَ اَللَّهِ إِنَّا إِذاً لَمِنَ اَلْآثِمِينَ}، فهذه الشهادة الأولى التي حلفها رسول الله (صلى الله عليه وآله و سلم) {فَإِنْ عُثِرَ عَلى أَنَّهُمَا اِسْتَحَقَّا إِثْماً} أي أنهما حلفا على كذب {فَآخَرَانِ يَقُومَانِ مَقَامَهُمَا} يعني من أولياء المدعي {مِنَ اَلَّذِينَ اِسْتَحَقَّ عَلَيْهِمُ اَلْأَوْلَيَانِ} الأولين {فَيُقْسِمَانِ بِاللَّهِ} أي يحلفان بالله أنهما أحق بهذه الدعوى منهما و أنهما قد كذبا فيما حلفا بالله {لَشَهَادَتُنَا أَحَقُّ مِنْ شَهَادَتِهِمَا وَ مَا اِعْتَدَيْنَا إِنَّا إِذاً لَمِنَ اَلظَّالِمِينَ}.
فأمر رسول الله (صلى الله عليه وآله و سلم) أولياء تميم الداري أن يحلفوا بالله على ما أمرهم به فحلفوا فأخذ رسول الله (صلى الله عليه وآله و سلم) القلادة و الآنية من ابن بندي و ابن أبي مارية و ردهما إلى أولياء تميم الداري {ذَلِكَ أَدْنىَ أَنْ يَأْتُوا بِالشَّهَادَةِ عَلى وَجْهِهَا أَوْ يَخَافُوا أَنْ تُرَدَّ أَيْمَانٌ بَعْدَ أَيْمَانِهِمْ}.
أقول: و أورده القمي في تفسيره مثله و فيه بعد قوله: {تَحْبِسُونَهُمَا مِنْ بَعْدِ اَلصَّلاَةِ:} يعني صلاة العصر، و قوله (عليه السلام) «الأولين» الظاهر أنه بصيغة التثنية و المراد بهما الشاهدان الأولان تفسيرا لقوله تعالى: {اَلْأَوْلَيَانِ} و ظاهره على قراءته (عليه السلام){اِسْتَحَقَّ} بالبناء للفاعل كما نسبت إلى علي (عليه السلام)، و قد قدمنا في البيان السابق أنه أوضح المعاني المحتملة على هذه القراءة.
و في الدر المنثور: أخرج الترمذي و ضعفه و ابن جرير و ابن أبي حاتم و النحاس في ناسخه و أبو الشيخ و ابن مردويه و أبو نعيم في المعرفة من طريق أبي النضر و هو الكلبي عن باذان مولى أم هاني عن ابن عباس عن تميم الداري: في هذه الآية: {يَا أَيُّهَا اَلَّذِينَ آمَنُوا شَهَادَةُ بَيْنِكُمْ إِذَا حَضَرَ أَحَدَكُمُ اَلْمَوْتُ} قال: برىء الناس منهما غيري و غير عدي بن بداء، و كانا نصرانيين يختلفان إلى الشام قبل الإسلام - فأتيا الشام لتجارتهما، و قدم عليهما مولى لبني سهم يقال له: بديل بن أبي مريم بتجارة، و معه جام من فضة يريد

