تفسير الميزان ج٦
210جميع الآثار البارزة في القوم الناشئة من حالتهم الدينية كما أن المجتمع غير الديني مبني على إيمان الأفراد بمقاصدهم القومية، و منها تنشأ السنن و القوانين المدنية و الآداب و الرسوم الدائرة بينهم.
فإذا كان كذلك و صح الاعتماد في جميع الشئون الاجتماعية و الاتكاء في عامة لوازم الحياة على إيمان الأفراد بطرق مختلفة كان من الجائز أن يعتمد على إيمانهم في ما لا دليل آخر يعتمد عليه، و هو اليمين فيما لا بينة عليه بأن يربط المنكر ما ينكره من دعوى المدعي و يقيده بإيمانه بحيث يزول اعتبار إيمانه بالله ببطلان إنكاره و ظهور كذبه فيما أظهره و أخبر به.
فإيمانه بسبب ما عقده باليمين بمنزلة مال الرهن الذي يجعل تحت تسلط الدائن و يراعي في عوده إلى سلطة راهن صدق وعده و تأديته الدين إلى أجل و إلا ذهب المال و بقي صفر اليد.
كذلك الحالف يعتبر مرهون الإيمان بما حلف عليه ما لم يظهر خلافه و إذا ظهر الخلاف عاد صفر الكف من الإيمان ساقطا عن درجة الاعتبار محروما من التمتع بثمرة الإيمان و هي في المجتمع الديني جميع المزايا الاجتماعية، و رجع مطرودا من المجتمع المتلائم الأجزاء؛ لا سماء تظله و لا أرض تقله.
و يتأيد هذا البيان بما يروى من تظاهر الناس على مقت المتخلفين عن السنن الدينية كالصلاة مع الجماعة و الشخوص في الجهاد و نحوهما في زمن النبي ص حين كان تمام السلطة و الحكومة للدين على الأهواء.
و أما في أمثال هذه الأعصار التي ضعف فيها نفوذ الدين و تسرب الهوى في القلوب و انعقد بيننا مجتمع مؤتلف من المقاصد الدينية على وهن في بنيتها و إعراض من الناس عنها و من مقاصد المدنية الحديثة و يجمعها الاسترسال في التمتعات المادية على شيد في أساسها و إقبال عام من عامة الناس إليها ثم أخذ التنازع و التشاجر الشديد بين الدواعي الدينية و المدنية الطارقة و لا يزال يغلب هذا و ينهزم ذاك، و انثلمت وحدة النظام الواجب انبساطه على مستوى المجتمع، و بدا الهرج و المرج في الروحيات فحينئذ لا يكاد ينفع اليمين و لا ما هو أقوى من ذلك و أحفظ لحقوق الناس، و زال الاعتماد لا على الأسباب

