تفسير الميزان ج٦
209و يوجد في اللغات نوع آخر من جعل الربط يقابل القسم و هو ربط الخبر مثلا بما لا قيمة له و لا شرافة عند المخبر ليدل بذلك على الاستهانة بما يخبر به أو بلغه من الخبر و يعد نوعا من الشتم و هو في اللغة العربية نادر جدا.
و الحلف و اليمين فيما نعلم من العادات الدائرة في ألسنة الناس الموروثة جيلا بعد جيل، و لا يختص بلغة دون لغة، و هو الدليل على أنه ليس من الشئون اللغوية اللفظية بل إنما يهدي الإنسان إليه حياته الاجتماعية في موارد يتنبه على وجوب الالتجاء إليه و الاستفادة منه.
و لم تزل اليمين دائرا بين الأمم ربما يبنى عليه و يركن إليه في موارد متفرقة غير مضبوطة تحدث في مجتمعاتهم لأغراض متنوعة لدفع التهمة و رفع الفرية و تطييب النفس و تأييد الخبر حتى اعتنى بأمره القوانين المدنية و أعطتها وجهة قانونية في بعض من الموارد كحلف الرؤساء و أولياء الأمور عند تقلد المناصب الهامة و إشغال المقامات العظيمة العالية و غير ذلك.
و قد اعتنى الإسلام بشأن اليمين اعتناء تاما إذا وقع على الله سبحانه خاصة، و ليس ذلك إلا في ظل العناية برعاية حرمة المقام الربوبي و وقاية ساحته تعالى أن يواجه بما يأباه ناموس الربوبية و العبودية، و لذلك وضعت كفارة خاصة عند حنث اليمين، و كره الإكثار من الحلف بالله عز شأنه، قال تعالى: {لاَ يُؤَاخِذُكُمُ اَللَّهُ بِاللَّغْوِ فِي أَيْمَانِكُمْ وَ لَكِنْ يُؤَاخِذُكُمْ بِمَا عَقَّدْتُمُ اَلْأَيْمَانَ فَكَفَّارَتُهُ إِطْعَامُ عَشَرَةِ مَسَاكِينَ} (الآية): المائدة: ٨٩ و قال تعالى: {وَ لاَ تَجْعَلُوا اَللَّهَ عُرْضَةً لِأَيْمَانِكُمْ}: البقرة: ٢٢٤.
و اعتبر اليمين في موارد من القضاء خلت عن البينة، قال تعالى: {فَيُقْسِمَانِ بِاللَّهِ لَشَهَادَتُنَا أَحَقُّ مِنْ شَهَادَتِهِمَا وَ مَا اِعْتَدَيْنَا} (الآية): «المائدة: ١٠٧ و من كلامه (صلى الله عليه وآله و سلم): البينة على المدعي و اليمين على من أنكر.
و حقيقة اعتبار اليمين الاكتفاء بدلالة نفس الإيمان فيما لا دليل سواه، و ذلك أن المجتمع الديني مبني على إيمان الأفراد بالله، و الإنسان المؤمن هو الجزء من هذا المركب المؤلف، و هو المنبع الذي ينبع منه السنن المتبعة و الأحكام الجارية، و بالجملة

