تفسير الميزان ج٦
205لكن الذي يلائم مقامنا هذا من البحث و هو بحث قرآني في تحليل معناها و كيفية اعتبارها بالتطبيق على الفطرة التي عليها بني الإسلام أن نسلك طريقا آخر من البحث فنقول:
إن للعدالة و هي الاعتدال و التوسط بين النمطين: العالي و الداني، و الجانبين: الإفراط و التفريط قيمة حقيقية و وزنا عظيما في المجتمعات الإنسانية، و الوسط العدل هو الجزء الجوهري الذي يركن إليه التركيب و التأليف الاجتماعي فإن الفرد العالي الشريف الذي يتلبس بالفضائل العالية الاجتماعية، و يمثل بغية الاجتماع النهائية لا يجود منه الزمان إلا بالنزر القليل و الواحد بعد الواحد، و من المعلوم أنه لا يتألف المجتمع بالفرد النادر، و لا تتم به كينونته و إن كان هو العضو الرئيس في جثمانه حيثما وجد.
و الفرد الدنيء الخسيس الذي لا يقوم بالحقوق الاجتماعية، و لا يتحقق فيه القدر المتوسط من أماني المجتمع ممن لا داعي له يدعوه إلى رعاية الأصول العامة الاجتماعية التي بها حياة المجتمع، و لا رادع له يردعه عن اقتحام الآثام الاجتماعية التي تهلك الاجتماع و تبطل التجاذب الواجب بين أجزائه، و بالجملة لا اعتماد على جزئيته في بنية الاجتماع و لا وثوق بتأثيره الحسن و نصيحته الصالحة.
و إنما الحكم لأفراد المجتمع المتوسطين الذين تقوم بهم بنية المجتمع و تتحقق فيهم مقاصده و مآربه، و تظهر بهم آثاره الحسنة التي لم تأتلف أجزاؤه و أعضاؤه إلا للحصول عليها و التمتع بها.
هذا كله مما لا يرتاب فيه الإنسان الاجتماعي عند أول ما يجيل نظره في هذا الباب.
فمن الضروري عنده أنه على حاجة شديدة في حياته الاجتماعية إلى أفراد في المجتمع يعتمد على سلوكهم الاجتماعي متلبسين بالاعتدال في الأمور و الاحتراز عن الاسترسال في نقض القوانين و مخالفة السنن و الآداب الجارية من غير مبالاة و انقباض في أبواب كثيرة كالحكومة و القضاء و الشهادات و غيرها في الجملة.
و هذا الحكم الضروري أو القريب من الضروري عند الفطرة هو الذي يعتبره الإسلام في الشاهد، قال تعالى: {وَ أَشْهِدُوا ذَوَيْ عَدْلٍ مِنْكُمْ وَ أَقِيمُوا اَلشَّهَادَةَ لِلَّهِ ذَلِكُمْ يُوعَظُ بِهِ مَنْ كَانَ يُؤْمِنُ بِاللَّهِ وَ اَلْيَوْمِ اَلْآخِرِ}: الطلاق: ٢، و قال تعالى: {شَهَادَةُ

