تفسير الميزان ج٦
203(كلام في معنى الشهادة)
الاجتماع المدني الدائر بيننا و التفاعل الواقع في عامة جهات الحياة الأرضية بين قوانا الفعالة يسوقنا و لا محيص إلى أنواع الاختلافات و الخصومات فالذي يختص بالتمتع به أحدنا ربما أحب الآخر أن يشاركه فيه أو يختص به هو مكانه فتاقت إليه نفسه و نازعته في ذلك فأدى إلى تنبه الإنسان لوجوب اعتبار القضاء و الحكم ليرتفع به هذه الخصومات.
و أول ما يحتاج إليه القضاء أن تحفظ القضايا و الوقائع على النحو الذي وقعت و تضبط ضبطا لا يتطرق إليه التغير و التبدل ليقع عليه قضاء القاضي، هذا مما لا شك فيه.
و يتأتى ذلك بأن يستشهد على الواقعة بأن يطلع عليها إنسان فيتحملها ثم يؤدي ما تحمله عند اللزوم و الاقتضاء أو يضبط بوجه آخر كالكتابة أو أدوات أخر معمولة لذلك اهتدى الإنسان إلى التوصل بها.
و تفارق الشهادة سائر أسباب الحفظ و الضبط أولا بأن غير الشهادة من الأسباب أمور غير عامة فإن أعمها و أعرفها الكتابة و هي لم تستوعب الإنسانية حتى اليوم فكيف بغيرها و هذا بخلاف الشهادة و التحمل.
و ثانيا بأن الشهادة و هو البيان اللساني من نفس الشاهد عن تحمله و حفظه أبعد من عروض الخلل و أمنع جانبا من طرو أنواع الآفات بالقياس إلى الكتابة و غيره من أسباب الحفظ و الضبط.
و لذلك نرى أن الشهادة لا تتجافى عن اعتبارها أمة من الأمم في مجتمعاتهم على اختلافها الفاحش في السنن الاجتماعية و السلائق القومية و الملية و التقدم و التأخر في الحضارة و التوحش، فهي لا تخلو عن اعتبار ما عندهم.
و الاعتبار فيها بالواحد من القوم المعدود فردا من الأمة و جزءا من الجماعة، و لذلك لا يعبأ بشهادة الصبي غير المميز و لا بشهادة المجنون الذي لا يدري ما يقول مثلا، و لذلك

