تفسير الميزان ج٦
201مسير حياته كالشمعة الصغيرة يحملها طارق الليل المظلم لا ينتفع من نورها إلا أن يميز ما يضع عليه قدمه من الأرض.
فما يتعلق به علم الإنسان ناشب بوجوده متعلق بواقعيته بأطراف ثم بأطراف أطراف و هكذا كل ذلك في غيب من إدراك الإنسان فلا يتعلق العلم بحقيقة معنى الكلمة بشيء إلا إذا كان متعلقا بجميع الغيوب في الوجود، و لا يسع ذلك لمخلوق محدود مقدر إنسانا أو غيره إلا لله الواحد القهار الذي عنده مفاتح الغيب لا يعلمها إلا هو، قال الله تعالى: {وَ اَللَّهُ يَعْلَمُ وَ أَنْتُمْ لاَ تَعْلَمُونَ}: البقرة: ٢١٦ فدل على أن من طبع الإنسان الجهل فلا يرزق من العلم إلا محدودا مقدرا كما قال تعالى: {وَ إِنْ مِنْ شَيْءٍ إِلاَّ عِنْدَنَا خَزَائِنُهُ وَ مَا نُنَزِّلُهُ إِلاَّ بِقَدَرٍ مَعْلُومٍ}: الحجر: ٢١- و هو قوله (عليه السلام): حيث سئل عن علة احتجاب الله عن خلقه فقال: لأنه بناهم بنية على الجهل، و قال تعالى: {وَ لاَ يُحِيطُونَ بِشَيْءٍ مِنْ عِلْمِهِ إِلاَّ بِمَا شَاءَ}: البقرة: ٢٥٥ فدل على أن العلم كله لله، و إنما يحيط منه الإنسان بما شاء الله، و قال تعالى: {وَ مَا أُوتِيتُمْ مِنَ اَلْعِلْمِ إِلاَّ قَلِيلاً}: الإسراء: ٨٥ فدل على أن هناك علما كثيرا لم يؤت الإنسان إلا قليلا منه.
فإذن حقيقة الأمر أن العلم حق العلم لا يوجد عند غير الله سبحانه، و إذ كان يوم القيامة يوما يظهر فيه الأشياء بحقائقها على ما تفيده الآيات الواصفة لأمره فلا مجال فيه إلا للكلام الحق كما قال تعالى: {لاَ يَتَكَلَّمُونَ إِلاَّ مَنْ أَذِنَ لَهُ اَلرَّحْمَنُ وَ قَالَ صَوَاباً ذَلِكَ اَلْيَوْمُ اَلْحَقُّ}: النبأ - ٣٩ كان من الجواب الحق إذا ما سئل الرسل فقيل لهم: {مَا ذَا أُجِبْتُمْ} أن يجيبوا بنفي العلم عن أنفسهم لكونه من الغيب، و يثبتوه لربهم سبحانه بقولهم: {لاَ عِلْمَ لَنَا إِنَّكَ أَنْتَ عَلاَّمُ اَلْغُيُوبِ}.
و هذا الجواب منهم (عليه السلام) نحو خضوع لحضرة العظمة و الكبرياء و اعتراف بحاجتهم الذاتية و بطلانهم الحقيقي قبال مولاهم الحق رعاية لأدب الحضور و إظهارا لحقيقة الأمر، و ليس جوابا نهائيا لا جواب بعده البتة:
أما أولا فلأن الله سبحانه جعلهم شهداء على أممهم كما ذكره في قوله: {فَكَيْفَ إِذَا جِئْنَا مِنْ كُلِّ أُمَّةٍ بِشَهِيدٍ وَ جِئْنَا بِكَ عَلى هَؤُلاَءِ شَهِيداً}: النساء: ٤١ و قال: {وَ وُضِعَ اَلْكِتَابُ وَ جِيءَ بِالنَّبِيِّينَ وَ اَلشُّهَدَاءِ}: الزمر: ٦٩ و لا معنى لجعلهم شهداء

