تفسير الميزان ج٦
200الانحراف و الجور في الشهادة و الاستهانة بأمر اليمين بالله فناسب أن يذكر في المقام بما يجري بينه سبحانه و بين رسله يوم القيامة و هم شهداء على أممهم و أفضل الشهداء، حيث يسألهم الله سبحانه عن الذي أجابهم به أممهم و هم أعلم الناس بأعمال أممهم و الشاهدون من عند الله عليهم فيجيبونه بقولهم: {لاَ عِلْمَ لَنَا إِنَّكَ أَنْتَ عَلاَّمُ اَلْغُيُوبِ}.
فإذا كان الأمر على هذه الوتيرة، و كان الله سبحانه هو العالم بكل شيء حق العلم فجدير بالشهود أن يخافوا مقام ربهم: و لا ينحرفوا عن الحق الذي رزقهم الله العلم به، و لا يكتموا شهادة الله فيكونوا من الآثمين و الظالمين و الفاسقين.
فقوله تعالى: {يَوْمَ يَجْمَعُ}، «إلخ» ظرف متعلق بقوله في الآية السابقة: {وَ اِتَّقُوا اَللَّهَ}، «إلخ» و ذكر جمع الرسل دون أن يقال: «يوم يقول الله للرسل» لمكان مناسبة مع جمع الشهداء للشهادة كما يشعر به قوله: {تَحْبِسُونَهُمَا مِنْ بَعْدِ اَلصَّلاَةِ فَيُقْسِمَانِ بِاللَّهِ}.
و أما نفيهم العلم يومئذ عن أنفسهم بقولهم: {لاَ عِلْمَ لَنَا إِنَّكَ أَنْتَ عَلاَّمُ اَلْغُيُوبِ} فإثباتهم جميع علوم الغيوب لله سبحانه على وجه الحصر يدل على أن المنفي ليس أصل العلم فإن ظاهر قولهم: {إِنَّكَ أَنْتَ عَلاَّمُ اَلْغُيُوبِ} يدل على أنه لتعليل النفي، و من المعلوم أن انحصار جميع علوم الغيب في الله سبحانه لا يقتضي رفع كل علم عن غيره و خاصة إذا كان علما بالشهادة، و المسئول عنه أعني كيفية إجابة الناس لرسلهم من قبيل الشهادة دون الغيب.
فقولهم: {لاَ عِلْمَ لَنَا} ليس نفيا لمطلق العلم بل لحق العلم الذي لا يخلو عن التعلق بالغيب فإن من المعلوم أن العلم إنما يكشف لعالمه من الواقع على قدر ما يتعلق بأمر من حيث أسبابه و متعلقاته، و الواقع في العين مرتبط بجميع أجزاء الخارج مما يتقدم على الأمر الواقع في الخارج و ما يحيط به مما يصاحبه زمانا فالعلم بأمر من الأمور الخارجية بحقيقة معنى العلم لا يحصل إلا بالإحاطة بجميع أجزاء الوجود ثم بصانعه المتعالي من أن يحيط به شيء، و هذا أمر وراء الطاقة الإنسانية.
فلم يرزق الإنسان من العلم في هذا الكون الذي يبهته التفكير في سعة ساحته، و تهوله النظرة في عظمة أجرامه و مجراته، و يطير لبه الغور في متون ذرأته، و يأخذه الدوار إذا أراد الجري بين هاتين الغايتين إلا اليسير من العلم على قدر ما يحتاج إليه في

