تفسير الميزان ج٦
196و حضور الموت كناية عن حضور داعي الوصية فإن الناس بحسب الطبع لا يشتغلون بأمثال هذه الأمور من غير حضور أمر يوجب الظن بالموت، و هو عادة المرض الشديد الذي يشرف الإنسان به على الموت.
و قوله: {حِينَ اَلْوَصِيَّةِ} ظرف متعلق بالشهادة أي الشهادة حين الوصية، و المراد بالعدل و هو مصدر الاستقامة في الأمر، و قرينة المقام تعطي أن المراد به الاستقامة في أمر الدين، و يتعين بذلك أن المراد بقوله: {مِنْكُمْ} و قوله: {مِنْ غَيْرِكُمْ} المسلمون و غير المسلمين، دون القرابة و العشيرة فإن الله سبحانه قابل بين قوله: {اِثْنَانِ} و قوله: {آخَرَانِ}، ثم وصف الأول بقوله {ذَوَا عَدْلٍ} و قوله: {مِنْكُمْ} و لم يصف الثاني إلا بقوله: {مِنْ غَيْرِكُمْ} دون أن يصفه بالعدالة، و الاتصاف بالاستقامة في الدين و عدمه إنما يختلف في المسلم و غير المسلم، و لا موجب لاعتبار العدالة في الشهود إذا كانوا قرابة أو من عشيرة المشهود له و إلغائها إذا كان الشاهد أجنبيا.
و على هذا فقوله: {أَوْ آخَرَانِ مِنْ غَيْرِكُمْ} ترديد على سبيل الترتيب أي إن كان هناك نفر من المسلمين يستشهد اثنان منهم، و إن لم يكن إلا من غير المسلمين يستشهد باثنين منهم، كل ذلك بالاستفادة من قرينة المقام.
و هذه القرينة بعينها هي التي توجب أن يكون قوله: {إِنْ أَنْتُمْ ضَرَبْتُمْ فِي اَلْأَرْضِ فَأَصَابَتْكُمْ مُصِيبَةُ اَلْمَوْتِ} قيدا متعلقا بقوله: {أَوْ آخَرَانِ مِنْ غَيْرِكُمْ} فإن المسلم لما كان بالطبع إنما يعيش في مجتمع المسلمين لا تمس الحاجة في الحضر عادة إلى الاستشهاد بشهيدين من غير المسلمين بخلاف حالة السفر و الضرب في الأرض فإنها مظنة وقوع أمثال هذه الوقائع و الاضطرار و مسيس الحاجة إلى الانتفاع من غير المسلم بشهادة أو غيرها.
و قرينة المقام أعني المناسبة بين الحكم و الموضوع بالذوق المتخذ من كلامه تعالى تدل على أن المراد من غير المسلمين أهل الكتاب خاصة لأن كلامه تعالى لا يشرف المشركين بكرامة.
و قوله تعالى: {تَحْبِسُونَهُمَا مِنْ بَعْدِ اَلصَّلاَةِ} أي توقفونهما، و الحبس الإيقاف، {فَيُقْسِمَانِ بِاللَّهِ} أي الشاهدان {إِنِ اِرْتَبْتُمْ} أي شككتم فيما يظهره الوصي من أمر الوصية أو المال الذي تعلقت به الوصية أو في كيفية الوصية، و المقسم عليه هو قوله:

