تفسير الميزان ج٦
193تتقدمهم في النشوء كالنصارى و غيرهم حتى الوثنية من البرهمانية و البوذية، ففيهم من يسلك الطريقة حتى اليوم بل هي طريقة موروثة ورثوها من أسلافهم.
لكن لا بمعنى الأخذ و التقليد العادي كوراثة الناس ألوان المدنية بعضهم من بعض و أمة منهم متأخرة من أمة منهم متقدمة كما جرى على ذلك عدة من الباحثين في الأديان و المذاهب؛ و ذلك لما عرفت في الفصول السابقة أن دين الفطرة يهدي إلى الزهد و الزهد يرشد إلى عرفان النفس؛ فاستقرار الدين بين أمة و تمكنه من قلوبهم يعدهم و يهيؤهم لأن تنشأ بينهم طريقة عرفان النفس لا محالة، و يأخذ بها بعض من تمت في حقه العوامل المقتضية لذلك، فمكث الحياة الدينية في أمة من الأمم برهة معتدا بها ينشئ بينهم هذه الطريقة لا محالة صحيحة أو فاسدة و إن انقطعوا عن غيرهم من الأمم الدينية كل الانقطاع، و ما هذا شأنه لا ينبغي أن يعد من السنن الموروثة التي يأخذها جيل عن جيل.
٩ - ثم ينبغي أن نقسم أصحاب القسم الثاني من القسمين المتقدمين و هم أهل العرفان حقيقة إلى طائفتين:
فطائفة منهم يسلكون الطريقة لنفسها فيرزقون شيئا من معارفها من غير أن يتم لهم تمام المعرفة لها لأنهم لما كانوا لا يريدون غير النفس فهم في غفلة عن أمر صانعها و هو الله عز اسمه الذي هو السبب الحق الآخذ بناصية النفس في وجودها و آثار وجودها و كيف يسع الإنسان تمام معرفة شيء مع الذهول عن معرفة أسباب وجوده و خاصة السبب الذي هو سبب كل سبب؟ و هل هو إلا كمن يدعي معرفة السرير على جهل منه بالنجار و قدومه و منشاره و غرضه في صنعه إلى غير ذلك من علل وجود السرير؟
و من الحري بهذا النوع من معرفة النفس أن يسمى كهانة بما في ذيله من الحصول على شيء من علوم النفس و آثارها.
و طائفة منهم يقصدون طريقة معرفة النفس لتكون ذريعة لهم إلى معرفة الرب تعالى، و طريقتهم هذه هي التي يرتضيها الدين في الجملة و هي أن يشتغل الإنسان بمعرفة نفسه بما أنها آية من آيات ربه و أقرب آية، و تكون النفس طريقا مسلوكا و الله سبحانه

