تفسير الميزان ج٦
192و قد فاتهم أن هذه صورة إدراكية قائمة بشعور الإنسان نظيرة صورته التي يدركها من بدنه، و نظيرة صور سائر الأشياء الخارجة المنفصلة عن بدنه، و ربما تظهر هذه الصورة المنفصلة لبعض أرباب المجاهدة أكثر من واحدة أو في هيئة غير هيئة نفسه، و ربما يرى نفسه عين نفس غيره من أفراد الناس، فإذا لم يحكموا في هذه الصور المذكور أنها هي صورة الروح فجدير بهم أن لا يحكموا في الصورة الواحدة المشاكلة التي تتراءى لأرباب المجاهدات أنها صورة الروح.
و حقيقة الأمر أن هؤلاء نالوا شيئا من معارف النفس و فاتهم معرفة حقيقتها كما هي فأخطئوا في تفسير ما نالوه و ضلوا في توجيه أمره، و الحق الذي يهدي إليه البرهان و التجربة أن حقيقة النفس التي هي هذا الشعور المتعقل المحكي عنه بقولنا «إنا» أمر مغاير في جوهره لهذه الأمور المادية كما تقدم، و أن أقسام شعوره و أنواع إدراكاته من حس أو خيال أو تعقل من جهة كونها مدركات إنما هي متقررة في عالمه و ظرفه غير الخواص الطبيعية الحاصلة في أعضاء الحس و الإدراك من البدن فإنها أفعال و انفعالات مادية فاقدة في نفسها للحياة و الشعور، فهذه الأمور المشهودة الخاصة بالصلحاء و أرباب المجاهدات و الرياضات غير خارجة عن حيطة نفوسهم، و إنما الشأن في أن هذه المعلومات و المعارف كيف استقرت في النفس و أين محلها منها؟ و أن للنفس سمة علية لجميع الحوادث و الأمور المرتبطة بها ارتباطا ما، فجميع هذه الأمور الغريبة المطاوعة لأهل الرياضة و المجاهدة إنما ترتضع من إرادتهم و مشيئتهم، و الإرادة ناشئة من الشعور، فللشعور الإنساني دخل في جميع الحوادث المرتبطة به و الأمور المماسة له.
٨ - فمن الحري أن نقسم المشتغلين بعرفان النفس في الجملة إلى طائفتين: إحداهما المشتغلون بالاشتغال بإحراز شيء من آثار النفس الغريبة الخارجة عن حومة المتعارف من الأسباب و المسببات المادية، كأصحاب السحر و الطلسمات و أصحاب تسخير روحانيات الكواكب و الموكلين على الأمور و الجن و أرواح الآدميين و أصحاب الدعوات و العزائم و نحو ذلك.
و الثانية المشتغلون بمعرفة النفس بالانصراف عن الأمور الخارجة عنها و الانجذاب نحوها للغور فيها و مشاهدة جوهرها و شئونها كالمتصوفة على اختلاف طبقاتهم و مسالكهم.
و ليس التصوف مما أبدعه المسلمون من عند أنفسهم لما أنه يوجد بين الأمم التي

