تفسير الميزان ج٦
185يتربى بينهم جم غفير من الزهاد و تاركي الدنيا جيلا بعد جيل، و خاصة النصارى فإن من سننهم المتبعة الرهبانية.
و قد ذكر أمر رهبانيتهم في القرآن الشريف قال تعالى: {ذَلِكَ بِأَنَّ مِنْهُمْ قِسِّيسِينَ وَ رُهْبَاناً وَ أَنَّهُمْ لاَ يَسْتَكْبِرُونَ}: المائدة: ٨٢ و قال تعالى: {وَ رَهْبَانِيَّةً اِبْتَدَعُوهَا مَا كَتَبْنَاهَا عَلَيْهِمْ إِلاَّ اِبْتِغَاءَ رِضْوَانِ اَللَّهِ فَمَا رَعَوْهَا حَقَّ رِعَايَتِهَا}: الحديد: ٢٧، كما ذكر المتعبدون من اليهود في قوله: {لَيْسُوا سَوَاءً مِنْ أَهْلِ اَلْكِتَابِ أُمَّةٌ قَائِمَةٌ يَتْلُونَ آيَاتِ اَللَّهِ آنَاءَ اَللَّيْلِ وَ هُمْ يَسْجُدُونَ يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَ اَلْيَوْمِ اَلْآخِرِ وَ يَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَ يَنْهَوْنَ عَنِ اَلْمُنْكَرِ وَ يُسَارِعُونَ فِي اَلْخَيْرَاتِ وَ أُولَئِكَ مِنَ اَلصَّالِحِينَ}: آل عمران: ١١٤.
و أما الفرق المختلفة من أصحاب الارتياضات و الأعمال النفسية كأصحاب السحر و السيمياء و أصحاب الطلسمات و تسخير الأرواح و الجن و روحانيات الحروف و الكواكب و غيرها و أصحاب الإحضار و تسخير النفوس، فلكل منهم ارتياضات نفسية خاصة تنتج نوعا من السلطة على أمر النفس.۱
و جملة الأمر على ما يتحصل من جميع ما مر: أن الوجهة الأخيرة لجميع أرباب الأديان و المذاهب و الأعمال هو تهذيب النفس بترك هواها و الاشتغال بتطهيرها من شوب الأخلاق و الأحوال غير المناسبة للمطلوب.
٥ - لعلك ترجع و تقول: إن الذي ثبت من سنن أرباب المذاهب و الطرق و سيرهم هو الزهد في الدنيا و هو غير مسألة معرفة النفس أو الاشتغال بأمر النفس بالمعنى الذي تقدم البحث عنه.
و بلفظ أوضح: الذي يندب إليه الأديان و المذاهب التي تدعو إلى العبودية بنحو أن يتزهد الإنسان نوع تزهد في الدنيا بإتيان الأعمال الصالحة و ترك الهوى و الآثام و رذائل الأخلاق ليتهيأ بذلك لأحسن الجزاء إما في الآخرة كما يصرح به الأديان النبوية كاليهودية و النصرانية و الإسلام أو في الدنيا كما استقر عليه دين الوثنية و مذهب
- راجع في ذلك كتاب السر المكتوم للرازي و الذخيرة الإسكندرية و الكواكب السبعة للحكيم طمطم الهندي و رسالة السكاكي في التخسير و الدر المكتوم لابن عربي و كتب الأرواح و الإحضار المعمولة أخيرا و غير ذلك،

