تفسير الميزان ج٦
184العرش إلى غابة موحشة لزمها في ريعان شبابه، و اعتزل الناس، و ترك التمتع بمزايا الحياة، و أقبل على رياضة نفسه و التفكر في أسرار الخلقة حتى قذفت المعرفة في قلبه و سنه إذ ذاك ستة و ثلاثون و عند ذاك خرج إلى الناس فدعاهم إلى ترويض النفس و تحصيل المعرفة و لم يزل على ذلك قريبا من أربع و أربعين سنة على ما في التواريخ.
و أما الصابئون و نعني بهم أصحاب الروحانيات و أصنامها فهم و إن أنكروا أمر النبوة غير أن لهم في طريق الوصول إلى كمال المعرفة النفسانية طرقا لا تختلف كثيرا عن طرق البراهمة و البوذيين، قالوا - على ما في الملل و النحل -: إن الواجب علينا أن نطهر نفوسنا عن دنس الشهوات الطبيعية، و نهذب أخلاقنا عن علائق القوى الشهوانية و الغضبية حتى يحصل مناسبة ما بيننا و بين الروحانيات فنسأل حاجاتنا منهم، و نعرض أحوالنا عليهم، و نصبو في جميع أمورنا إليهم، فيشفعون لنا إلى خالقنا و خالقهم و رازقنا و رازقهم، و هذا التطهير ليس يحصل إلا باكتسابنا و رياضتنا و فطامنا أنفسنا عن دنيئات الشهوات استمدادا من جهة الروحانيات، و الاستمداد هو التضرع و الابتهال بالدعوات، و إقامة الصلوات، و بذل الزكوات، و الصيام عن المطعومات و المشروبات، و تقريب القرابين و الذبائح، و تبخير البخورات، و تعزيم العزائم فيحصل لنفوسنا استعداد و استمداد من غير واسطة، انتهى.
و هؤلاء و إن اختلفوا فيما بين أنفسهم بعض الاختلاف في العقائد العامة الراجعة إلى الخلق و الإيجاد لكنهم متفقو الرأي في وجوب ترويض النفس للحصول على كمال المعرفة و سعادة النشأة.
و أما المانوية من الثنوية فاستقرار مذهبهم على كون النفس من عالم النور العلوي و هبوطها إلى هذه الشبكات المادية المظلمة المسماة بالأبدان، و أن سعادتها و كمالها في التخلص من دار الظلمة إلى ساحة النور إما اختيارا بالترويض النفساني، و إما اضطرارا بالموت الطبيعي، معروف.
و أما أهل الكتاب و نعني بهم اليهود و النصارى و المجوس فكتبهم المقدسة و هي العهد العتيق و العهد الجديد و أوستا مشحونة بالدعوة إلى إصلاح النفس و تهذيبها و مخالفة هواها.
و لا تزال كتب العهدين تذكر الزهد في الدنيا و الاشتغال بتطهير السر، و لا يزال

