تفسير الميزان ج٦
181حواسه الظاهرية و ركز شعوره فيما يحبه أو يأسف عليه، فرأى في حال المنام أو في حال من اليقظة يشبه حالة المنام، أمورا مختلفة من الوقائع الماضية أو الحوادث المستقبلة أو خبايا و خفايا تخفى على حواس غيره.
و ربما كانت الإرادة إذا شفعت باليقين و الإيمان الشديد و الإذعان الجازم تفعل أفعالا لا يقدر عليها الإنسان المتعارف، و لا أن الأسباب العادية يسعها أن تهدي إلى ذلك.
فهذه حوادث جزئية نادرة بالنسبة إلى عامة الحوادث العادية تحدث عن حدوث عوامل مختلفة مرت الإشارة إليها: أما أصل وقوعها فمما ليس كثير حاجة إلى تجشم الاستدلال عليه فكل منا لا يخلو من أن يذكر من نفسه أو من غيره ما يشهد به، و أما أن السبب الحقيقي العامل فيها ما هي؟ فليس هاهنا محل الاشتغال به.
و الذي يهمنا التنبه عليه هو أن هذه الأمور جميعا تتوقف في وقوعها على نوع من انصراف النفس عن الاشتغال بالأمور الخارجة عنها و خاصة اللذائذ الجسمانية و انعطافها إلى نفسها؛ و لذا كان الأساس في جميع الارتياضات النفسانية على تنوعها و تشتتها الخارج عن الإحصاء هو مخالفة النفس في الجملة، و ليس إلا لأن انكباب النفس على مطاوعة هواها يصرفها عن الاشتغال بنفسها، و يهديها إلى مشتهياتها الخارجة؛ فيوزعها عليها و يقسم شعورها بينها، فتأخذ بها و تترك نفسها.
٣ - لا ينبغي لنا أن نشك في أن العوامل الداعية إلى هذه الآثار النفسانية كما تتم لبعض الأفراد موقتا و في أحايين يسيرة، ربما تتم لبعض آخر ثابتة مستمرة أو تمكث مكثا معتدا به فكثيرا ما نجد أشخاصا متزهدين عن الدنيا و لذائذها المادية و مشتهياتها الفانية لا هم لهم إلا ترويض النفس و الاشتغال بسلوك طريق الباطن.
و لا ينبغي لنا أن نشك في أن هذه المشغلة النفسية ليست سنة مبتدعة في زماننا هذا، فالنقل و الاعتبار يدلان على أنها كانت من السنن الدائرة بين الناس، كلما رجعنا القهقرى فهي من السنن اللازمة للإنسانية إلى أقدم عهودها التي نزلت في هذه الأرض على ما نحسب.
٤ - البحث عن حال الأمم و التأمل في سننهم و سيرهم و تحليل عقائدهم و أعمالهم يفيد أن الاشتغال بمعرفة النفس على طرقها المختلفة للحصول على عجائب آثارها، كان

