تفسير الميزان ج٦
179فسمى النفس دما بل الدم نفسا سائلة أو غير سائلة.
و ربما دعا الإنسان ما يشاهده من أمر النطفة أن المني حينما يلتقمه الرحم و يطرؤه التطور الكوني طورا بعد طور هو الذي يصير إنسانا، أن يذهب إلى أن النفس الإنسانية هي الأجزاء الأصلية المجتمعة في النطفة، و هي باقية في البنية البدنية مدى الحياة، و ربما ذهب الذاهب إلى أنها مصونة عن التغير و البطلان، و أن الإنسانية باقية ببقائها لا تنالها يد الحدثان و لا أنها تقبل البطلان و الانعدام مع أن النفس الإنسانية لو كانت هذه الأجزاء المنعوتة سواء اشترطنا فيها الاجتماع على هيئة خاصة أو لم نشترط استلزم ذلك القول بمحالات كثيرة مذكورة في محله.
فهذه الأقاويل و أمثالها لا تنافي ما يناله الإنسان و هو إنسان من حقيقة قوله: «أنا» و «نفسي» و لا يخطئ فيه البتة إذ ليس من البعيد أن نكون ندرك حقيقة من الحقائق الكونية إجمالا إدراكا غير خاطئ ثم نأخذ في البحث عن هويته و واقع أمره تفصيلا فنخطئ فيه عند ذاك؛ فهناك موضوعات علمية كثيرة كالمحسوسات الظاهرية أو الباطنية نشاهدها مشاهدة عيان على الرغم من السوفسطائيين و الشكاكين ثم العلماء لا يزالون يختلفون في أمرها خلفا عن سلف.
و كذلك العامة من غير أهل البحث يشاهدون من أنفسهم ما يشاهده الخاصة من غير فرق البتة و هم على جهل من أمر تفصيله عاجزون عن تفسير خصوصيات وجوده.
و بالجملة مما لا ريب فيه أن الإنسان في جميع أحيان وجوده يشاهد أمرا غير خارج منه يعبر عنه بأنا و نفسي، و إذا لطف نظره و تعمق خائضا فيما يجده في مشاهدته هذه وجده شيئا على خلاف ما يجده من الأمور الجسمانية القابلة للتغير و الانقسام و الاقتران بالمكان و الزمان، و وجده غير هذا البدن المادي المحكوم بأحكام المادة بأعضائه و أجزائه فإنه ربما نسي أي عضو من أعضائه أو غفل عن جميع بدنه و هو لا ينسى نفسه و لا يغفل عنها، دع عنك ما ربما تقوله: نسيت نفسي، غفلت عن نفسي، ذهلت عن نفسي فهذه مجازات عن عنايات نفسانية مختلفة، أ لا ترى أنك تسند النسيان و الغفلة و الذهول حينئذ إلى نفسك و تحكم بأن نفسك الشاعرة شعرت بأمر و غفلت عن أمر تسميه نفسك كالبدن و نحوه؟

