تفسير الميزان ج٦
176و بصيرا، و لا أخفي عليه شيئا من جنة و لا نار، و أعرفه ما يمر على الناس في القيامة من الهول و الشدة، و ما أحاسب به الأغنياء و الفقراء و الجهال و العلماء، و أنومه في قبره و أنزل عليه منكرا و نكيرا حتى يسألاه، و لا يرى غم الموت و ظلمة القبر و اللحد و هول المطلع، ثم أنصب له ميزانه و أنشر ديوانه، ثم أضع كتابه في يمينه فيقرؤه منشورا ثم لا أجعل بيني و بينه ترجمانا، فهذه صفات المحبين.
يا أحمد اجعل همك هما واحدا، و اجعل لسانك لسانا واحدا، و اجعل بدنك حيا لا يغفل أبدا، من يغفل عني لا أبالي بأي واد هلك».
و الروايات الثلاثة الأخيرة و إن لم يكن من أخبار هذا البحث المعقود على الاستقامة إلا أنا إنما أوردناها ليقضي الناقد البصير بما قدمناه من أن المعرفة الحقيقية لا تستوفي بالعلم الفكري حق استيفائها فإن الروايات تذكر أمورا من المواهب الإلهية المخصوصة بأوليائه لا ينتجها السير الفكري البتة.
و هي أخبار مستقيمة صحيحة تشهد على صحتها الكتاب الإلهي على ما سنبين ذلك فيما سيوافيك من تفسير سورة الأعراف إن شاء الله العزيز.
و في تفسير القمي: في قوله تعالى: {يَا أَيُّهَا اَلَّذِينَ آمَنُوا عَلَيْكُمْ أَنْفُسَكُمْ} (الآية)، قال: قال (عليه السلام): أصلحوا أنفسكم و لا تتبعوا عورات الناس و لا تذكروهم فإنه لا يضركم ضلالتهم إذا أنتم صالحون.
أقول: و الرواية منطبقة على ما قدمناه في البيان السابق أن الآية متوجهة إلى النهي عن التعرض لإصلاح حال الناس أزيد من متعارف الدعوة و الأمر بالمعروف و النهي عن المنكر، و ليست مسوقة للترخيص في ترك فريضة الدعوة و الأمر بالمعروف و النهي عن المنكر.
و في نهج البيان عن الصادق (عليه السلام) أنه قال: نزلت هذه الآية في التقية.
أقول: مفاد الرواية أن الآية خاصة بصورة التقية من أهل الضلال في الدعوة إلى الحق و الأمر بالمعروف و النهي عن المنكر لمكان اشتراط ذلك شرعا بعدم التقية، و قد تقدم في البيان السابق أن ظاهر الآية لا تساعد على ذلك.

