تفسير الميزان ج٦
175من أنفسهم بتوهم القلوب، الحديث.
أقول: قد أوضحنا في ذيل- قوله (عليه السلام) المعرفة بالنفس أنفع المعرفتين (الرواية الثانية من الباب) أن الإنسان إذا اشتغل بآية نفسه و خلا بها عن غيرها انقطع إلى ربه من كل شيء، و عقب ذلك معرفة ربه معرفة بلا توسيط وسط، و علما بلا تسبيب سبب إذ الانقطاع يرفع كل حجاب مضروب، و عند ذلك يذهل الإنسان بمشاهدة ساحة العظمة و الكبرياء عن نفسه، و أحرى بهذه المعرفة أن تسمى معرفة الله بالله.
و انكشف له عند ذلك من حقيقة نفسه أنها الفقيرة إلى الله سبحانه المملوكة له ملكا لا تستقل بشيء دونه، و هذا هو المراد بقوله (عليه السلام): «تعرف نفسك به، و لا تعرف نفسك بنفسك من نفسك، و تعلم أن ما فيه له و به».
و في هذا المعنى ما رواه المسعودي في إثبات الوصية، عن أمير المؤمنين (عليه السلام) قال في خطبة له: «فسبحانك ملأت كل شيء و باينت كل شيء فأنت لا يفقدك شيء و أنت الفعال لما تشاء تباركت يا من كل مدرك من خلقه، و كل محدود من صنعه.
-إلى أن قال- سبحانك أي عين تقوم نصب بهاء نورك، و ترقى إلى نور ضياء قدرتك، و أي فهم يفهم ما دون ذلك إلا أبصار كشفت عنها الأغطية، و هتكت عنها الحجب العمية، فرقت أرواحها على أطراف أجنحة الأرواح، فناجوك في أركانك، و ولجوا بين أنوار بهائك، و نظروا من مرتقى التربة إلى مستوى كبريائك، فسماهم أهل الملكوت زوارا، و دعاهم أهل الجبروت عمارا».
و في البحار، عن إرشاد الديلمي، و ذكر بعد ذلك سندين لهذا الحديث و فيه: «فمن عمل برضائي ألزمه ثلاث خصال: أعرفه شكرا لا يخالطه الجهل و ذكرا لا يخالطه النسيان، و محبة لا يؤثر على محبتي محبة المخلوقين.
فإذا أحبني أحببته، و أفتح عين قلبه إلى جلالي، و لا أخفي عليه خاصة خلقي، و أناجيه في ظلم الليل و نور النهار حتى ينقطع حديثه مع المخلوقين و مجالسته معهم، و أسمعه كلامي و كلام ملائكتي، و أعرفه السر الذي سترته عن خلقي، و ألبسه الحياء حتى يستحيي منه الخلق كلهم، و يمشي على الأرض مغفورا له، و أجعل قلبه واعيا

