تفسير الميزان ج٦
171ثم يعمل بما استحسنه من السنة لإسعاد تلك الحياة، و هذا من الوضوح بمكان.
فالحياة التي يقدرها الإنسان لنفسه تمثل له الحوائج المناسبة لها فيهتدي بها إلى الأعمال التي تضمن عادة رفع تلك الحوائج فيطبق الإنسان عمله عليها و هو السنة أو الدين.
فتخلص مما ذكرنا أن النظر في الآيات الأنفسية و الآفاقية و معرفة الله سبحانه بها يهدي الإنسان إلى التمسك بالدين الحق و الشريعة الإلهية من جهة تمثيل المعرفة المذكورة الحياة الإنسانية المؤبدة له عند ذلك، و تعلقها بالتوحيد و المعاد و النبوة.
و هذه هداية إلى الإيمان و التقوى يشترك فيها الطريقان معا أعني طريقي النظر إلى الآفاق و الأنفس فهما نافعان جميعا غير أن النظر إلى آيات النفس أنفع فإنه لا يخلو من العثور على ذات النفس و قواها و أدواتها الروحية و البدنية و ما يعرضها من الاعتدال في أمرها أو طغيانها أو خمودها و الملكات الفاضلة أو الرذيلة، و الأحوال الحسنة أو السيئة التي تقارنها.
و اشتغال الإنسان بمعرفة هذه الأمور و الإذعان بما يلزمها من أمن أو خطر و سعادة أو شقاوة لا ينفك من أن يعرفه الداء و الدواء من موقف قريب فيشتغل بإصلاح الفاسد منها، و الالتزام بصحيحها بخلاف النظر في الآيات الآفاقية فإنه و إن دعا إلى إصلاح النفس و تطهيرها من سفاسف الأخلاق و رذائلها، و تحليتها بالفضائل الروحية لكنه ينادي لذلك من مكان بعيد، و هو ظاهر.
و للرواية معنى آخر أدق مستخرج من نتائج الأبحاث الحقيقية في علم النفس و هو أن النظر في الآيات الآفاقية و المعرفة الحاصلة من ذلك نظر فكري و علم حصولي بخلاف النظر في النفس و قواها و أطوار وجودها و المعرفة المتجلية منها فإنه نظر شهودي و علم حضوري، و التصديق الفكري يحتاج في تحققه إلى نظم الأقيسة و استعمال البرهان، و هو باق ما دام الإنسان متوجها إلى مقدماته غير ذاهل عنها و لا مشتغل بغيرها، و لذلك يزول العلم بزوال الإشراف على دليله و تكثر فيه الشبهات و يثور فيه الاختلاف.
و هذا بخلاف العلم النفساني بالنفس و قواها و أطوار وجودها فإنه من العيان فإذا اشتغل الإنسان بالنظر إلى آيات نفسه، و شاهد فقرها إلى ربها، و حاجتها في جميع أطوار وجودها، وجد أمرا عجيبا؛ وجد نفسه متعلقة بالعظمة و الكبرياء متصلة في

