تفسير الميزان ج٦
170بالله سبحانه؛ و رد أولا بقوله (صلى الله عليه وآله و سلم) في رواية أخرى: أعرفكم بنفسه أعرفكم بربه، و ثانيا بأن الحديث في معنى عكس النقيض لقوله تعالى: {وَ لاَ تَكُونُوا كَالَّذِينَ نَسُوا اَللَّهَ فَأَنْسَاهُمْ أَنْفُسَهُمْ}.
و فيه عنه (عليه السلام): قال: الكيس من عرف نفسه و أخلص أعماله.
أقول: تقدم في البيان السابق معنى ارتباط الإخلاص و تفرعه على الاشتغال بمعرفة النفس.
و فيه عنه (عليه السلام): قال: المعرفة بالنفس أنفع المعرفتين.
أقول: الظاهر أن المراد بالمعرفتين المعرفة بالآيات الأنفسية و المعرفة بالآيات الآفاقية، قال تعالى: {سَنُرِيهِمْ آيَاتِنَا فِي اَلْآفَاقِ وَ فِي أَنْفُسِهِمْ حَتَّى يَتَبَيَّنَ لَهُمْ أَنَّهُ اَلْحَقُّ أَ وَ لَمْ يَكْفِ بِرَبِّكَ أَنَّهُ عَلى كُلِّ شَيْءٍ شَهِيدٌ}: حم السجدة: ٥٣ و قال تعالى: {وَ فِي اَلْأَرْضِ آيَاتٌ لِلْمُوقِنِينَ وَ فِي أَنْفُسِكُمْ أَ فَلاَ تُبْصِرُونَ}: الذاريات: ٢١.
و كون السير الأنفسي أنفع من السير الآفاقي لعله لكون المعرفة النفسانية لا تنفك عادة من إصلاح أوصافها و أعمالها بخلاف المعرفة الآفاقية، و ذلك أن كون معرفة الآيات نافعة إنما هو لأن معرفة الآيات بما هي آيات موصلة إلى معرفة الله سبحانه و أسمائه و صفاته و أفعاله ككونه تعالى حيا لا يعرضه موت، و قادرا لا يشوبه عجز، و عالما لا يخالطه جهل، و أنه تعالى هو الخالق لكل شيء، و المالك لكل شيء، و الرب القائم على كل نفس بما كسبت، خلق الخلق لا لحاجة منه إليهم بل لينعم عليهم بما استحقوه ثم يجمعهم ليوم الجمع لا ريب فيه ليجزي الذين أساءوا بما عملوا و يجزي الذين أحسنوا بالحسنى.
و هذه و أمثالها معارف حقة إذا تناولها الإنسان و أتقنها مثلت له حقيقة حياته، و أنها حياة مؤبدة ذات سعادة دائمة أو شقوة لازمة، و ليست بتلك المتهوسة المنقطعة اللاهية اللاغية، و هذا موقف علمي يهدي الإنسان إلى تكاليف و وظائف بالنسبة إلى ربه و بالنسبة إلى أبناء نوعه في الحياة الدنيا و الحياة الآخرة، و هي التي نسميها بالدين، فإن السنة التي يلتزمها الإنسان في حياته، و لا يخلو عنها حتى البدوي و الهمجي إنما يضعها و يلتزمها أو يأخذها و يلتزمها لنفسه من حيث إنه يقدر لنفسه نوعا من الحياة أي نوع كان،

