تفسير الميزان ج٦
168و عند ذلك يتبدل إدراك النفس و شعورها، و يهاجر من موطن الشرك إلى موقف العبودية و مقام التوحيد و لا يزال يعوض شركا من توحيد و توهما من تحقق و بعدا من قرب و استكبارا شيطانيا من تواضع رحماني و استغناء وهميا من فقر عبودي إن أخذت بيدها العناية الإلهية و ساقها سائق التوفيق.
و نحن و إن كان لا يسعنا أن نفقه هذه المعاني حق الفقه لمكان إخلادنا إلى الأرض و اشتغالنا عن الغوص في أغوار هذه الحقائق التي يكشف عنها الدين و يشير إليها الكتاب الإلهي بما لا يعنينا من فضولات هذه الحياة الفانية التي لا يعرفها الكلام الإلهي في بيانه إلا بأنها لعب و لهو كما قال تعالى: {وَ مَا اَلْحَيَاةُ اَلدُّنْيَا إِلاَّ لَعِبٌ وَ لَهْوٌ}: الأنعام: ٣٢ و قال تعالى: {ذَلِكَ مَبْلَغُهُمْ مِنَ اَلْعِلْمِ}: النجم: ٣٠.
إلا أن الاعتبار الصحيح و البحث البالغ و التدبر الوافي يوصلنا إلى التصديق بكلياتها إجمالا و إن قصرنا عن إحصاء التفاصيل و الله الهادي.
و لعلنا خرجنا عن طور الاختصار فلنرجع إلى أول الكلام فنقول: و تسع الآية أن تحمل على الخطاب الاجتماعي بأن يكون المخاطب بقوله: {يَا أَيُّهَا اَلَّذِينَ آمَنُوا} مجتمع المؤمنين فيكون المراد بقوله: {عَلَيْكُمْ أَنْفُسَكُمْ} هو إصلاح المؤمنين مجتمعهم الإسلامي باتخاذ صفة الاهتداء بالهداية الإلهية بأن يحتفظوا على معارفهم الدينية و الأعمال الصالحة و الشعائر الإسلامية العامة كما قال تعالى: {وَ اِعْتَصِمُوا بِحَبْلِ اَللَّهِ جَمِيعاً وَ لاَ تَفَرَّقُوا}: آل عمران: ١٠٣ و قد تقدم في تفسيره أن المراد بهذا الاعتصام الاجتماعي الأخذ بالكتاب و السنة.
و يكون قوله: {لاَ يَضُرُّكُمْ مَنْ ضَلَّ إِذَا اِهْتَدَيْتُمْ} يراد به أنهم في أمن من إضرار المجتمعات الضالة غير الإسلامية فليس من الواجب على المسلمين أن يبالغوا الجد في انتشار الإسلام بين الطوائف غير المسلمة أزيد من الدعوة المتعارفة كما تقدم.
أو أنه لا يجوز لهم أن ينسلوا مما بأيديهم من الهدى من مشاهدة ما عليه المجتمعات الضالة من الانهماك في الشهوات و التمتع من مزايا العيش الباطلة فإن الجميع مرجعهم إلى الله فينبئهم بما كانوا يعملون، و تجري الآية على هذا مجرى قوله تعالى: {لاَ يَغُرَّنَّكَ تَقَلُّبُ اَلَّذِينَ كَفَرُوا فِي اَلْبِلاَدِ مَتَاعٌ قَلِيلٌ ثُمَّ مَأْوَاهُمْ جَهَنَّمُ وَ بِئْسَ اَلْمِهَادُ}: آل عمران: ١٩٧،

