تفسير الميزان ج٦
162قال: فلعلك تأخذ موسى فتقطع آذان طائفة منها، و تقول: هذه بحر، و تشق آذان طائفة منها و تقول: هذه الصرم؟ قلت: نعم، قال: فلا تفعل إن كل ما آتاك الله لك حل، ثم قال: {مَا جَعَلَ اَللَّهُ مِنْ بَحِيرَةٍ وَ لاَ سَائِبَةٍ وَ لاَ وَصِيلَةٍ وَ لاَ حَامٍ}.
[سورة المائدة (٥): آیة ١٠٥]
{يَا أَيُّهَا اَلَّذِينَ آمَنُوا عَلَيْكُمْ أَنْفُسَكُمْ لاَ يَضُرُّكُمْ مَنْ ضَلَّ إِذَا اِهْتَدَيْتُمْ إِلَى اَللَّهِ مَرْجِعُكُمْ جَمِيعاً فَيُنَبِّئُكُمْ بِمَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ ١٠٥}
(بيان)
الآية تأمر المؤمنين أن يلزموا أنفسهم، و يلازموا سبيل هدايتهم و لا يوحشهم ضلال من ضل من الناس فإن الله سبحانه هو المرجع الحاكم على الجميع حسب أعمالهم، و الكلام مع ذلك لا يخلو عن غور عميق.
قوله تعالى: «يٰا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا عَلَيْكُمْ أَنْفُسَكُمْ لاٰ يَضُرُّكُمْ مَنْ ضَلَّ إِذَا اهْتَدَيْتُمْ» لفظة «عَلَيْكُمْ» اسم فعل بمعنى ألزموا،و «أَنْفُسَكُمْ» مفعوله.
و من المعلوم أن الضلال و الاهتداء و هما معنيان متقابلان إنما يتحققان في سلوك الطريق لا غير؛ فالملازم لمتن الطريق ينتهي إلى ما ينتهي إليه الطريق، و هو الغاية المطلوبة التي يقصدها الإنسان السالك في سلوكه، أما إذا استهان بذلك و خرج عن مستوى الطريق فهو الضلال الذي تفوت به الغاية المقصودة فالآية تقدر للإنسان طريقا يسلكه و مقصدا يقصده غير أنه ربما لزم الطريق فاهتدى إليه أو فسق عنه فضل و ليس هناك مقصد يقصده القاصد إلا الحياة السعيدة، و العاقبة الحسنى بلا ريب لكنها مع ذلك تنطق بأن الله سبحانه هو المرجع الذي يرجع إليه الجميع: المهتدي و الضال.
فالثواب الذي يريده الإنسان في مسيره بالفطرة إنما هو عند الله سبحانه يناله المهتدون، و يحرم عنه الضلال، و لازم ذلك أن يكون جميع الطرق المسلوكة لأهل

