تفسير الميزان ج٦
154آمنوا لا تسألوا النبي (صلى الله عليه وآله و سلم) عن أشياء مسكوت عنها في الشريعة عفا الله عنها و لم يتعرض لبيانها تخفيفا و تسهيلا فإنها بحيث تبين لكم أن تسألوا عنها حين نزول القرآن، و تسوؤكم إن أبدئت لكم و بينت.
و قد تبين مما مر أولا: أن قوله تعالى: {وَ إِنْ تَسْئَلُوا عَنْهَا حِينَ يُنَزَّلُ اَلْقُرْآنُ تُبْدَ لَكُمْ} من تتمة النهي كما عرفت، لا لرفع النهي عن السؤال حين نزول القرآن كما ربما قيل.
و ثانيا: أن قوله تعالى: {عَفَا اَللَّهُ عَنْهَا} جملة مستقلة مسوقة لتعليل النهي عن السؤال فتفيد فائدة الوصف من غير أن يكون وصفا بحسب التركيب الكلامي.
و ثالثا: وجه تذييل الكلام بقوله: {وَ اَللَّهُ غَفُورٌ حَلِيمٌ} مع كون الكلام مشتملا على النهي غير الملائم لصفتي المغفرة و الحلم فالاسمان يعودان إلى مفاد العفو المذكور في قوله: {عَفَا اَللَّهُ عَنْهَا} دون النهي الموضوع في الآية.
قوله تعالى: {قَدْ سَأَلَهَا قَوْمٌ مِنْ قَبْلِكُمْ ثُمَّ أَصْبَحُوا بِهَا كَافِرِينَ} يقال: سأله و سأل عنه بمعنى، و {ثُمَّ} يفيد التراخي بحسب الرتبة الكلامية دونه بحسب الزمان. و الباء في قوله: {بِهَا} متعلقة بقوله: {كَافِرِينَ} على ما هو ظاهر الآية من كونها مسوقة للنهي عن السؤال عما يتعلق بقيود الأحكام و الشرائع المسكوت عنها عند التشريع؛ فالكفر كفر بالأحكام من جهة استلزامها تحرج النفوس عنها و تضيق القلوب من قبولها، و يمكن أن تكون الباء للسببية و لا يخلو عن بعد.
و الآية و إن أبهمت القوم المذكورين و لم يعرفهم لكن في القرآن الكريم ما يمكن أن تنطبق عليه الآية من القصص كقصة المائدة من قصص النصارى و قصص أخرى من قوم موسى و غيرهم.
(بحث روائي)
في الدر المنثور: أخرج ابن جرير و أبو الشيخ و ابن مردويه عن أبي هريرة قال: خطبنا رسول الله (صلى الله عليه وآله و سلم) فقال: يا أيها الناس كتب الله عليكم الحج فقام عكاشة بن محصن الأسدي فقال: أ في كل عام يا رسول الله؟ قال: أما إني لو قلت: نعم لوجبت، و لو وجبت ثم تركتم لضللتم اسكتوا عني ما سكت عنكم فإنما هلك من كان قبلكم بسؤالهم

