تفسير الميزان ج٦
152في وجوب الانتهاء، انتهى. إنما يصح لو كان مفاد الشرط في الآية هو النهي عن السؤال عن أشياء يمكن أن تسوء إن أبدئت و ليس كذلك كما عرفت بل المفاد النهي عن السؤال أشياء يقطع بمساءتها إن أبدئت، فالإشكال على حاله.
و يتلو هذا الجواب في الضعف قول بعضهم - على ما في بعض الروايات: أن المراد بقوله: {أَشْيَاءَ إِنْ تُبْدَ لَكُمْ تَسُؤْكُمْ} ما ربما يهواه بعض النفوس من الاطلاع على بعض المغيبات كالآجال و عواقب الأمور و جريان الخير و الشر و الكشف عن كل مستور مما لا يخلو العلم به طبعا من أن يتضمن ما يسوء الإنسان و يحزنه كسؤال الرجل عن باقي عمره، و سبب موته، و حسن عاقبته، و عن أبيه من هو؟ و قد كان دائرا بينهم في الجاهلية.
فالمراد بقوله: {لاَ تَسْئَلُوا عَنْ أَشْيَاءَ إِنْ تُبْدَ لَكُمْ تَسُؤْكُمْ} هو النهي عن السؤال عن هذه الأمور التي لا يخلو انكشاف الحال فيها غالبا أن يشتمل على ما يسوء الإنسان و يحزنه كظهور أن الأجل قريب، أو أن العاقبة وخيمة، أو أن أباه في الواقع غير من يدعى إليه.
فهذه أمور يتضمن غالبا مساءة الإنسان و حزنه، و لا يؤمن من أن يجاب إذا سئل عنه النبي (صلى الله عليه وآله و سلم) بما لا يرتضيه السائل فيدعوه الاستكبار النفساني و أنفة العصبية أن يكذب النبي (صلى الله عليه وآله و سلم) فيما يجيب به فيكفر بذلك كما يشير إليه قوله تعالى في الآية التالية: {قَدْ سَأَلَهَا قَوْمٌ مِنْ قَبْلِكُمْ ثُمَّ أَصْبَحُوا بِهَا كَافِرِينَ}.
و هذا الوجه و إن كان سليما في بادئ النظر لكنه لا يلائم قوله تعالى: {وَ إِنْ تَسْئَلُوا عَنْهَا حِينَ يُنَزَّلُ اَلْقُرْآنُ تُبْدَ لَكُمْ} سواء قلنا: إن مفاده تجويز السؤال عن هذه الأشياء حين نزول القرآن، أو تشديد النهي عنه حين نزول القرآن بالدلالة على أن المجيب و هو النبي (صلى الله عليه وآله و سلم) في غير حال نزول القرآن في سعة من أن لا يجيب عن هذه الأسئلة رعاية لمصلحة السائلين؛ لكنها أعني الأشياء المسئول عنها مكشوفة الحقيقة مرفوع عنها الحجاب لا محالة فلا تسألوا عنها حين ينزل القرآن البتة.
أما عدم ملاءمته على المعنى الأول فلأن السؤال عن هذه الأشياء لما اشتمل على المفسدة بحسب طبعه فلا معنى لتجويزه حال نزول القرآن، و المفسدة هي المفسدة.
و أما على المعنى الثاني فلأن حال نزول القرآن و إن كان حال البيان و الكشف

