تفسير الميزان ج٦
143و اشتداد القوى، و اعتضاد الملة، و حياة الدين، و ارتفاع أعلام الحق، و رايات التوحيد أصاب بركات جمة و رأى عجبا.
و كان المراد من ذكر هذه الحقيقة عقيب الآيات الناهية عن الصيد هو دفع ما يتوهم أن هذه أحكام عديمة أو قليلة الجدوى، فأي فائدة لتحريم الصيد في مكان من الأمكنة أو زمان من الأزمنة؟ و أي جدوى في سوق الهدي و نحو ذلك؟ و هل هذه الأحكام إلا مشاكلة لما يوجد من النواميس الخرافية بين الأمم الجاهلة الهمجية؟
فأجيب عن ذلك بأن اعتبار البيت الحرام و الشهر الحرام و ما يتبعهما من الحكم مبني على حقيقة علمية و أساس جدي و هو أنها قيام يقوم به صلب حياتهم.
و من هنا يظهر وجه اتصال قوله: {ذَلِكَ لِتَعْلَمُوا}، إلى آخر الآية بما قبله، و المشار إليه بقوله: {ذَلِكَ} إما نفس الحكم المبين في الآيات السابقة الذي يوضح حكمة تشريعه قوله: {جَعَلَ اَللَّهُ اَلْكَعْبَةَ اَلْبَيْتَ اَلْحَرَامَ قِيَاماً لِلنَّاسِ} «إلخ»، و إما بيان الحكم الموضح بقوله: {جَعَلَ اَللَّهُ اَلْكَعْبَةَ} «إلخ»، المدلول عليه بالمقام.
و المعنى على التقدير الأول أن الله جعل البيت الحرام و الشهر الحرام قياما للناس و وضع ما يناسبهما من الأحكام لينتقلوا من حفظ حرمتهما و العمل بالأحكام المشرعة فيهما إلى أن الله عليم بما في السماوات و الأرض و ما يصلح شئونها، فشرع ما شرع لكم عن علم من غير أن يكون شيء من ذلك حكما خرافيا صادرا عن جهالة الوهم.
و المعنى على التقدير الثاني أنا بينا لكم هذه الحقيقة و هي جعل البيت الحرام و الشهر الحرام و ما يتبعهما من الأحكام قياما للناس لتعلموا أن الله عليم بما في السماوات و الأرض و ما يتبعها من الأحكام المصلحة لشئونها فلا تتوهموا أن هذه الأحكام المشرعة لاغية من غير جدوى أو أنها خرافات مختلقة.
قوله تعالى: {اِعْلَمُوا أَنَّ اَللَّهَ شَدِيدُ اَلْعِقَابِ وَ أَنَّ اَللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ}، إلى آخر الآيتين» تأكيد للبيان و تثبيت لموقع الأحكام المذكورة، و وعيد و وعد للمطيعين و العاصين، و فيه شائبة تهديد، و لذلك قدم توصيفه بشدة العقاب على توصيفه بالمغفرة و الرحمة، و لذلك أيضا أعقب الكلام بقوله: {مَا عَلَى اَلرَّسُولِ إِلاَّ اَلْبَلاَغُ وَ اَللَّهُ يَعْلَمُ مَا تُبْدُونَ وَ مَا تَكْتُمُونَ}.

