تفسير الميزان ج٦
138قوله تعالى: {يَا أَيُّهَا اَلَّذِينَ آمَنُوا لَيَبْلُوَنَّكُمُ اَللَّهُ بِشَيْءٍ مِنَ اَلصَّيْدِ تَنَالُهُ أَيْدِيكُمْ وَ رِمَاحُكُمْ} البلاء هو الامتحان و الاختبار، و لام القسم و النون المشددة للتأكيد، و قوله: {بِشَيْءٍ مِنَ اَلصَّيْدِ} يفيد التحقير ليكون تلقينه للمخاطبين عونا لهم على انتهائهم إلى ما سيواجههم من النهي في الآية الآتية، و قوله: {تَنَالُهُ أَيْدِيكُمْ وَ رِمَاحُكُمْ} تعميم للصيد من حيث سهولة الاصطياد كما في فراخ الطير و صغار الوحش و البيض تنالها الأيدي فتصطاد بسهولة، و من حيث صعوبة الاصطياد ككبار الوحش لا تصطاد عادة إلا بالسلاح.
و ظاهر الآية أنها مسوقة كالتوطئة لما ينزل من الحكم المشدد في الآية التالية، و لذلك عقب الكلام بقوله: {لِيَعْلَمَ اَللَّهُ مَنْ يَخَافُهُ بِالْغَيْبِ} فإن فيه إشعارا بأن هناك حكما من قبيل المنع و التحريم ثم عقبه بقوله: {فَمَنِ اِعْتَدى بَعْدَ ذَلِكَ فَلَهُ عَذَابٌ أَلِيمٌ}.
قوله تعالى: {لِيَعْلَمَ اَللَّهُ مَنْ يَخَافُهُ بِالْغَيْبِ} لا يبعد أن يكون قوله: ليبلونكم الله ليعلم كذا كناية عن أنه سيقدر كذا ليتميز منكم من يخاف الله بالغيب عمن لا يخافه لأن الله سبحانه لا يجوز عليه الجهل حتى يرفعه بالعلم، و قد تقدم البحث المستوفى عن معنى الامتحان في تفسير قوله تعالى: {أَمْ حَسِبْتُمْ أَنْ تَدْخُلُوا اَلْجَنَّةَ} (الآية): آل عمران: ١٤٢ في الجزء الرابع من هذا الكتاب، و تقدم أيضا معنى آخر لهذا العلم.
و أما قوله: {مَنْ يَخَافُهُ بِالْغَيْبِ} فالظرف متعلق بالخوف، و معنى الخوف بالغيب أن يخاف الإنسان ربه و يحترز ما ينذره به من عذاب الآخرة و أليم عقابه، و كل ذلك في غيب من الإنسان لا يشاهد شيئا منه بظاهر مشاعره، قال تعالى: {إِنَّمَا تُنْذِرُ مَنِ اِتَّبَعَ اَلذِّكْرَ وَ خَشِيَ اَلرَّحْمَنَ بِالْغَيْبِ}: يس: ١١، و قال: {وَ أُزْلِفَتِ اَلْجَنَّةُ لِلْمُتَّقِينَ غَيْرَ بَعِيدٍ هَذَا مَا تُوعَدُونَ لِكُلِّ أَوَّابٍ حَفِيظٍ مَنْ خَشِيَ اَلرَّحْمَنَ بِالْغَيْبِ وَ جَاءَ بِقَلْبٍ مُنِيبٍ}: ق: ٣٣، و قال: {اَلَّذِينَ يَخْشَوْنَ رَبَّهُمْ بِالْغَيْبِ وَ هُمْ مِنَ اَلسَّاعَةِ مُشْفِقُونَ}: الأنبياء: ٤٩.
و قوله: {فَمَنِ اِعْتَدىَ بَعْدَ ذَلِكَ} أي تجاوز الحد الذي يحده الله بعد البلاء المذكور فله عذاب أليم.
قوله تعالى: {يَا أَيُّهَا اَلَّذِينَ آمَنُوا لاَ تَقْتُلُوا اَلصَّيْدَ وَ أَنْتُمْ حُرُمٌ} «إلخ»، الحرم بضمتين جمع الحرام صفة مشبهة، قال في المجمع: و رجل حرام و محرم بمعنى، و حلال

