تفسير الميزان ج٦
134قبيل غزوة أحد، و في بعض الروايات: أن ذلك بعد غزوة الأحزاب۱. لكن الأمر في ذلك سهل في الجملة لإمكان حملها على كون المراد بتحريم الخمر فيها نزول آية المائدة و إن لم يوافقه لفظ بعض الروايات كل الموافقة.
و ثانيهما: من جهة دلالتها على أن الخمر لم تكن بمحرمة قبل نزول آية المائدة أو أنها لم تظهر حرمتها قبلئذ للناس و خاصة للصحابة مع صراحة آية الأعراف المحرمة للإثم و آية البقرة المصرحة بكونها إثما، و هي صراحة لا تقبل تأويلا.
بل من المستبعد جدا أن تنزل حرمة الإثم بمكة قبل الهجرة في آية تتضمن جمل المحرمات أعني قوله: {قُلْ إِنَّمَا حَرَّمَ رَبِّيَ اَلْفَوَاحِشَ مَا ظَهَرَ مِنْهَا وَ مَا بَطَنَ وَ اَلْإِثْمَ وَ اَلْبَغْيَ بِغَيْرِ اَلْحَقِّ وَ أَنْ تُشْرِكُوا بِاللَّهِ مَا لَمْ يُنَزِّلْ بِهِ سُلْطَاناً وَ أَنْ تَقُولُوا عَلَى اَللَّهِ مَا لاَ تَعْلَمُونَ} الأعراف: ٣٣، ثم يمر عليه زمان غير يسير، و لا يستفسر المؤمنون معناه من نبيهم و لا يستوضحه المشركون و أكبر همهم النقض و الاعتراض على كتاب الله مهما توهموا إليه سبيلا.
بل المستفاد من التاريخ أن تحريم النبي (صلى الله عليه وآله و سلم) للخمر كتحريمه الشرك و الزنا كان معروفا عند المشركين يدل على ذلك ما رواه ابن هشام في السيرة عن خلاد بن قرة و غيره من مشايخ بكر بن وائل من أهل العلم: أن أعشى بني قيس خرج إلى رسول الله (صلى الله عليه وآله و سلم) يريد الإسلام فقال يمدح رسول الله (صلى الله عليه وآله و سلم):
أ لم تغتمض عيناك ليلة أرمدا *** و بت كما بات السليم مسهدا (القصيدة).
فلما كان بمكة أو قريبا منها اعترضه بعض المشركين من قريش فسأله عن أمره فأخبره أنه جاء يريد رسول الله (صلى الله عليه وآله و سلم) ليسلم فقال له: يا أبا بصير إنه يحرم الزنا فقال الأعشى: و الله إن ذلك لأمر ما لي فيه من إرب، فقال له: يا أبا بصير فإنه يحرم الخمر فقال الأعشى: أما هذه فإن في النفس منها لعلالات، و لكني منصرف فأتروى منها عامي هذا ثم آتيه فأسلم فانصرف فمات في عامه ذلك و لم يعد إلى رسول الله (صلى الله عليه وآله و سلم).
- روى ذلك الطبري في تفسيره، و السيوطي في الدر المنثور عنه و عن ابن المنذر عن قتادة

